الملك يفتح أبواب الصين… فهل نُحسن تحويلها إلى اقتصاد عصري؟
الملك يفتح أبواب الصين… فهل نُحسن تحويلها إلى اقتصاد عصري؟
بقلم: أسامة أبو طالب
في الاقتصاد، ليست كل الأبواب متاحة لمن يملك المنتج أو رأس المال وحده؛ فهناك أسواق تحتاج إلى ثقة سياسية تسبق الصفقة، وعلاقات دولة تمهّد لعلاقات الشركات، وقيادة تمتلك من الحضور والمصداقية ما يجعل الفرصة ممكنة قبل أن يبدأ الاقتصاديون بحساب عوائدها.
ومن هنا يجب أن نقرأ زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية؛ فحين يفتح جلالته، بما يتمتع به من مكانة دولية وعلاقات راسخة، أبواب واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم أمام الأردن، فإن مسؤوليتنا تبدأ من السؤال: هل نحن جاهزون للعبور منها؟
فالصين ليست سوقًا تُدار بزيارة وفد أو مشاركة موسمية، بل اقتصاد بحجم قارة يحتاج إلى حضور أردني اقتصادي دائم ومنظم. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مجالس أعمال أردنية–صينية فاعلة، وتوسيع التمثيل الاقتصادي والتجاري في سفارتنا في بكين، ليعمل على استقطاب المستثمر، والوصول إلى المشتري، وربط الفرص مباشرة بالمصنع والمصدر والتاجر الأردني.
والتشاركية هنا أساسية؛ فالقطاع الخاص يجب ألا يُستدعى بعد تحديد الأسواق والقطاعات والفرص، بل أن يكون شريكًا منذ صياغتها، لأنه الأقدر على معرفة كلفة المنافسة ومتطلبات السوق والعوائق الحقيقية.
لكن طموحنا يجب أن يتجاوز زيادة صادراتنا إلى الصين أو معالجة اختلال الميزان التجاري معها. لماذا لا نجعل الأردن نفسه جزءًا من استراتيجية الصين التصديرية إلى العالم؟
وهنا تبرز منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة كورقة استراتيجية مهمة. فالموقع على البحر الأحمر، والموانئ، والبيئة الاستثمارية الخاصة، والمنظومة اللوجستية، تمنحنا فرصة لاستقطاب استثمارات صناعية صينية كبيرة في التصنيع والتجميع والتكنولوجيا والصناعات الهندسية والكهربائية وغيرها، لا لخدمة السوق الأردني فقط، وإنما للإنتاج من الأردن والتصدير إلى أسواق أخرى.
ويمتلك الأردن شبكة من الاتفاقيات التجارية التي تتيح وصولًا تفضيليًا إلى أسواق دولية متعددة. وإذا أقامت الشركات الصينية عمليات إنتاج حقيقية في الأردن تستوفي قواعد المنشأ ومتطلبات كل اتفاقية، فنحن لا نقدم لها موقعًا لمصنع فقط، بل منصة إنتاج قادرة على الوصول التنافسي إلى أسواق واسعة.
وهنا تتغير المعادلة: بدل أن تصل البضاعة الصينية إلى العقبة وتنتهي القيمة الأردنية عند التخليص والنقل، يمكن أن تصل المكونات والمواد الأولية وتبدأ القيمة الأردنية من العقبة: تصنيع وتجميع وتغليف وتشغيل وخدمات لوجستية، ثم تصدير المنتج إلى العالم.
ومع تطوير السكك الحديدية والبنية اللوجستية، يمكن أن تصبح العقبة جزءًا من منظومة صناعية وتصديرية أكبر، إذا أحسنا تقديمها للصين كمشروع اقتصادي متكامل، لا كمجرد ميناء أو منطقة استثمارية.
وهنا يجب أن نغيّر السؤال من: كيف نجذب الاستثمار الصيني إلى الأردن؟ إلى: ماذا نقدم للصين حتى يصبح الاستثمار في الأردن جزءًا من استراتيجيتها الاقتصادية؟
فالصين تمتلك رأس المال والتكنولوجيا والقدرة الصناعية، والأردن يمتلك الموقع والاستقرار والكوادر والاتفاقيات والوصول إلى أسواق متعددة. والمطلوب هو تحويل هذه العناصر إلى مصالح متبادلة قابلة للقياس.
وهذا يتطلب بعد الزيارة خريطة تنفيذ واضحة: قطاعات مستهدفة، شركات صينية محددة، مشاريع جاهزة، تمثيل اقتصادي أقوى، ومتابعة مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص حتى تتحول الفرص إلى عقود ومصانع وصادرات وفرص عمل.
جلالة الملك يقوم بالدور الذي لا يستطيع القطاع الخاص القيام به منفردًا: يبني الثقة، ويرفع حضور الأردن، ويفتح الأبواب على أعلى المستويات.
أما مسؤوليتنا فهي أن نحسن الدخول.
فطموحنا مع الصين يجب ألا يقتصر على أن نشتري منها أقل أو نبيعها أكثر؛ بل أن نجعل جزءًا مما تصدره الصين إلى العالم يُنتج من الأردن.
فالملك يفتح الأبواب… والاقتصاد الناجح هو الذي يعرف كيف يحوّل الباب المفتوح إلى طريق.
أسامة أبو طالب