ماذا لو خرجت الأغوار كاملة من منظومة الامن الغذائي الأردني؟

نحو عقيدة وطنية للاحتياط الزراعي والأمن الغذائي في الأردن

الأنباط – ميناس بني ياسين
قد يبدو الأردن اليوم أكثر اطمئنانًا إلى غذائه مما كان عليه قبل سنوات، لكن هذا الاطمئنان لا يعني أن منظومة الأمن الغذائي أصبحت بمنأى عن الصدمات فالأرقام الرسمية تظهر أن نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي ارتفعت إلى 61.4% عام 2024 مقارنة بـ57.3% عام 2020، فيما تقدم الأردن إلى المرتبة 54 عالميًا في مؤشر الجوع العالمي لعام 2025، وانخفضت قيمة المؤشر من 12 إلى 10.3 نقطة وفي أحدث تقرير أممي، تراجع انتشار نقص التغذية من 17.9% خلال الفترة 2021–2023 إلى 12.2% خلال 2023–2025.
لكن خلف هذه المؤشرات الإيجابية تقف معادلة أكثر تعقيدًا: الأردن بلد محدود الموارد المائية والأراضي الزراعية، ويعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين عدد من السلع الأساسية وتقدر منظمة الأغذية والزراعة أن احتياجات المملكة من واردات الحبوب في الموسم التسويقي 2025/2026 تبلغ نحو 3.1 مليون طن، فيما تغطي الواردات في المتوسط قرابة 70% من الاستهلاك السنوي للحبوب أما القمح والشعير تحديدًا، فتشير بيانات USDA إلى أن الأردن يستورد عادة أكثر من 95% من احتياجاته منهما.
وهنا يبرز السؤال الذي قد يبدو افتراضيًا اليوم لكنه يحمل دلالة استراتيجية كبيرة: ماذا لو خرجت الأغوار الأردنية كاملة من منظومة الإنتاج الغذائي؟
فالأغوار ليست مجرد رقعة زراعية ذات مناخ ملائم، وإنما واحدة من أهم ركائز الإنتاج النباتي في المملكة، ومنطقة ترتبط بها سلاسل الإنتاج والتسويق والتصدير والخدمات الزراعية والصناعات الغذائية. وفي الأغوار الشمالية وحدها تبلغ المساحة الزراعية نحو 118 ألف دونم، منها 66 ألف دونم للحمضيات، و34 ألفًا للخضروات، و12 ألفًا للقمح والشعير، إضافة إلى نحو 3 آلاف دونم للموز ومثلها لأشجار النخيل.

وفي الوقت ذاته لا يمكن فصل مستقبل هذه المنطقة عن المياه فالأردن، بحسب منظمة الأغذية والزراعة، من أكثر دول العالم شحًا بالمياه، فيما تشكل المياه الجوفية موردًا رئيسيًا للاستخدامات المنزلية والزراعية، وتسهم بنحو 55% من إجمالي استخدامات المياه، وسط تأكيد المنظمة أن وضع المياه الجوفية في المملكة حرج نتيجة الاستغلال الجائر واستمرار انخفاض مستوياتها.
وبالتالي فإن قوة الأغوار هي في الوقت نفسه نقطة حساسية في منظومة الغذاء الوطنية؛ فكلما ازداد اعتماد الإنتاج الزراعي الوطني على مركز جغرافي وإيكولوجي محدد، ازدادت الحاجة إلى امتلاك بدائل قادرة على العمل عند وقوع صدمة مفاجئة، سواء كانت أمنية أو عسكرية أو مناخية أو مائية.

بلاسمة: المطلوب الانتقال من حماية الأغوار إلى استمرارية الإنتاج الوطني
خبير الطاقة والمياه فراس بلاسمة قال لـ"الأنباط" إن المتغيرات الإقليمية والاحتمالات المرتبطة بالأزمات الأمنية والعسكرية، إلى جانب التغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد المائية، تفرض على الأردن الانتقال من مفهوم حماية الأغوار إلى ضمان استمرارية القدرة الزراعية الوطنية حتى في حال تعطلها بالكامل.
وأوضح أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي أزمة هو: كيف تستمر الدولة إذا أصبحت الأغوار خارج الخدمة مؤقتًا أو لفترة طويلة؟ مقترحًا اعتماد مفهوم الاحتياط الزراعي الاستراتيجي باعتباره أحد مكونات الأمن القومي، تمامًا كما تمتلك الدولة احتياطيات من الوقود والحبوب والأدوية.
وبين أن الأغوار ليست مجرد منطقة زراعية، وإنما مركز للإنتاج الغذائي الوطني، ومخزن للخبرة الزراعية الأردنية، وعقدة لوجستية للإنتاج والتصدير، وأحد مكونات الأمن الاقتصادي والصمود الوطني، مؤكدًا أن تعطلها يمثل تحديًا مباشرًا للأمن الوطني.
ويأتي ذلك فيما بلغ الاكتفاء الذاتي الغذائي في الأردن 61.4% عام 2024، وفق دائرة الإحصاءات العامة، وهي نسبة تعكس الإنتاج المحلي مقارنة بالغذاء المتاح للاستهلاك، ولا تعني قدرة المملكة على إنتاج جميع احتياجاتها الغذائية.

12 شهرًا لتعويض الجزء الأكبر من إنتاج الأغوار
واقترح بلاسمة أن تمتلك الدولة قدرة تشغيل بديلة تستطيع تعويض الجزء الأكبر من إنتاج الأغوار خلال فترة لا تتجاوز 12 شهرًا عند حدوث أي طارئ استراتيجي، مشيرًا إلى أن توزيع مراكز الإنتاج وعدم الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة يمثلان جزءًا من خطط استمرارية الدولة في مواجهة الأزمات.
وأكد أن البحث عن منطقة بديلة واحدة للأغوار قد ينقل نقطة الضعف من مكان إلى آخر، ولذلك فإن البديل الحقيقي هو شبكة وطنية موزعة للإنتاج الزراعي تقوم على توزيع المخاطر جغرافيًا ومائيًا.

المفرق والأزرق والديسي
ويرى بلاسمة أن محافظة المفرق تمثل نقطة انطلاق مناسبة لإنشاء مركز إنتاج زراعي احتياطي، لما تمتلكه من مساحات قابلة للتوسع، وقرب من الأسواق، وبنية نقل، وإمكانية توظيف الزراعة الحديثة والمحمية والزراعة الذكية.
وشدد على أن هذا التوسع يجب أن يقوم على الإدارة العلمية للمياه وليس التوسع التقليدي في الضخ، داعيًا إلى التعامل مع الأزرق كمنطقة إنتاج عالية الكفاءة تعتمد على البيوت المحمية والزراعة المائية والزراعة الدقيقة والمحاصيل ذات القيمة الغذائية المرتفعة لكل متر مكعب من المياه.
أما الديسي فأوضح أنه ينبغي التعامل معه باعتباره احتياطيًا مائيًا استراتيجيًا أكثر من كونه مشروعًا للتوسع الزراعي، وأن يخضع أي توسع مرتبط به لاعتبارات الأمن المائي الوطني.

"المرونة الغذائية الوطنية"

ويقترح بلاسمة الانتقال من مفهوم الأمن الغذائي التقليدي إلى المرونة الغذائية الوطنية، بحيث تحافظ الدولة على حد أدنى من الإنتاج حتى في أسوأ السيناريوهات، من خلال إنشاء "الشبكة الوطنية للاحتياط الزراعي الاستراتيجي الأردني".
وتتضمن الشبكة مراكز إنتاج احتياطية موزعة جغرافيًا، وخريطة وطنية للطاقة الإنتاجية لكل حوض مائي، ومخزونًا استراتيجيًا للبذور والأسمدة والمدخلات الزراعية، وبرنامجًا للزراعة المغلقة والزراعة الصحراوية عالية الكفاءة، إلى جانب غرفة عمليات وطنية لسيناريوهات الأمن الغذائي.
وتتوافق هذه الرؤية مع توجهات قائمة في الأردن، إذ يمتلك المملكة نظامًا وطنيًا لمعلومات الأمن الغذائي يتتبع 33 مؤشرًا وطنيًا و68 مؤشرًا عالميًا، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2021–2030.
ويقترح بلاسمة ثلاثة مستويات للتشغيل؛ الأول في الوضع الطبيعي، مع استمرار الأغوار بالإنتاج وتشغيل محدود للاحتياط، والثاني عند التعطل الجزئي، حيث يرفع إنتاج المفرق والمرتفعات والزراعة المحمية، والثالث عند التعطل الكامل للأغوار، حيث يتم تشغيل الاحتياط الوطني وإعادة توزيع المياه وإعطاء الأولوية للمحاصيل الأساسية.
ويشدد على أن الخريطة الوطنية للاحتياط الزراعي يجب أن تحدد الأراضي القابلة للتشغيل، ومصادر المياه، والطاقة الإنتاجية، وكلفة التشغيل، والطاقة المطلوبة، وزمن التشغيل والسيناريوهات المختلفة.

المخزون الغذائي لا يعوض القدرة الإنتاجية

ويمتلك الأردن مخزونًا استراتيجيًا من السلع الأساسية؛ إذ بلغ المخزون الفعلي من القمح نحو 674 ألف طن في تموز 2026، بما يغطي الاستهلاك المحلي لنحو 10.3 أشهر، فيما يغطي مخزون الشعير نحو 9.2 أشهر.
لكن بلاسمة يميز بين المخزون الغذائي والاحتياط الزراعي؛ فمخزون القمح يمكن أن يحمي من اضطراب مؤقت في سلاسل التوريد، لكنه لا يعوض فقدان القدرة على إنتاج الخضروات والفواكه والأعلاف والمحاصيل الأخرى في حال تعطل منطقة إنتاج رئيسية.
وفي الوقت الذي نما فيه القطاع الزراعي بنسبة 6.9% عام 2024، وبلغت الصادرات الزراعية 426 مليون دينار، وصلت قيمة الناتج المحلي الزراعي بالأسعار الثابتة إلى نحو 2.26 مليار دينار عام 2025، وارتفعت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.4%.
إلا أن نمو القطاع يتزامن مع ضغوط متزايدة على الموارد المائية، ما يجعل رفع الإنتاج مرتبطًا بزيادة كفاءة استخدام كل متر مكعب من المياه.
ووضع مؤشر الجوع العالمي لعام 2025 الأردن في المرتبة 54 من أصل 123 دولة بدرجة 10.3، فيما أظهر تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026 تراجع انتشار نقص التغذية إلى 12.2% خلال 2023–2025، مقارنة بـ17.9% خلال 2021–2023.
وفي المقابل تبقى بعض الفئات أكثر هشاشة، إذ يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن 77% من اللاجئين في الأردن يعانون انعدام الأمن الغذائي.

من حماية الأغوار إلى استمرارية الإنتاج

ويؤكد بلاسمة أن الخطر الأكبر لا يتمثل في فقدان منطقة زراعية بحد ذاته، وإنما في فقدان القدرة على تعويضها، داعيًا إلى بناء منظومة وطنية موزعة تجعل الأمن الغذائي أقل ارتباطًا بالجغرافيا وأكثر ارتباطًا بالتخطيط المسبق وإدارة الموارد.
ويرى أن الأردن بحاجة إلى "مخزون إنتاجي" غير مرئي، يشمل أراضي جاهزة، ومياه محسوبة، ومزارعين مدربين، وبذورًا ومدخلات متاحة، وبيوتًا محمية قابلة للتشغيل، وتقنيات زراعية عالية الكفاءة، وسلاسل نقل وتسويق يمكن إعادة توجيهها بسرعة.
وبذلك يصبح الاحتياط الزراعي الاستراتيجي جزءًا من منظومة الأمن الوطني، ويصبح الانتقال من حماية الأغوار إلى استمرارية الإنتاج الوطني انتقالًا من إدارة المخاطر إلى بناء المرونة الوطنية.
ويبقى السؤال: هل يستطيع الأردن الاستمرار في إطعام نفسه إذا تعطلت المنطقة التي اعتاد أن يعتمد عليها؟