الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا،،، متى يتحول رأس المال الخارجي إلى قدرة وطنية؟
الدكتورة رندا حسن بلاسمة
دكتوراه في إدارة الأعمال
تكمن القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي المباشر في حجم الأموال التي تدخل الاقتصاد و في نوعية القدرات التي تبقى فيه بعد دخول المستثمر. فالدولة قد تنجح في استقطاب مليارات الدولارات، وتوفر الأراضي والإعفاءات والبنية التحتية، من دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى معرفة محلية، أو تكنولوجيا وطنية، أو موردين محليين أكثر تطورا، أو وظائف عالية القيمة. من هنا، ينبغي إعادة النظر في السؤال التقليدي، كم استثمارا أجنبيا نجحنا في جذبه؟ ليصبح السؤال الأكثر أهمية وهوماذا أضاف هذا الاستثمار إلى القدرة الإنتاجية والتكنولوجية والإدارية للاقتصاد الوطني؟ نبحث هنا العلاقة بين الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا، ونذهب أبعد من العلاقة الإدارية المباشرة لنناقش الاستثمار من منظور استراتيجي و متى يكون رأس المال الأجنبي محركا للتنمية؟ ومتى يتحول الاقتصاد المضيف إلى مجرد سوق أو موقع إنتاج؟ وما الذي يحتاجه الأردن لكي تصبح سياسة جذب الاستثمار جزءًا من سياسة وطنية لبناء المعرفة والتكنولوجيا؟
تتعامل الأدبيات الاقتصادية والإدارية مع الاستثمار الأجنبي المباشر باعتباره قناة مهمة لتدفق رأس المال والمعرفة والخبرات الإدارية والتكنولوجيا بين الاقتصادات. لكن وجود المستثمر الأجنبي داخل دولة ما لا يعني تلقائيًا حدوث نقل حقيقي للتكنولوجيا. قد تدخل شركة دولية إلى اقتصاد معين، وتستورد معداتها وأنظمتها وخبراءها، وتنفذ عملياتها ضمن منظومة شبه مغلقة، ثم تعيد الجزء الأكبر من المعرفة والقيمة إلى الشركة الأم. وفي نموذج آخر، يمكن للاستثمار نفسه أن يخلق شبكة موردين محليين، ويدرب المهندسين، ويرتبط بالجامعات، وينقل أساليب الإدارة والإنتاج والجودة، ويؤسس قدرات بحث وتطوير محلية. الفارق بين النموذجين في نوع العلاقة التي بنتها الدولة والاقتصاد المحلي معه. وهنا تظهر القضية الأساسية بانه ليس كل استثمار أجنبي استثمارا تحويليا.
لوقت طويل، قامت المنافسة بين الدول على الاستثمار الأجنبي على الضرائب، والإعفاءات، والأراضي، والطاقة، وانخفاض تكلفة العمالة. لكن الاقتصاد العالمي الجديد يجعل هذه المقاربة غير كافية. فالدول الأكثر طموحًا أصبحت تتنافس على استثمارات تحمل معها قدرات استراتيجية من أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الطبية، والطاقة المتقدمة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، والصناعات الهندسية عالية القيمة. وهكذا يتحول السؤال من كيف نجذب المستثمر؟ إلى أي مستثمر نريد، وفي أي قطاع، ولماذا، وماذا نريد أن يتعلم الاقتصاد الوطني منه؟ وهذا فارق جوهري بين سياسة جذب الاستثمار واستراتيجية بناء الاقتصاد.
نقل التكنولوجيا لا يعني شراء آلة حديثة. فالآلة يمكن أن تُستورد دون امتلاك القدرة على تصميمها أو تطويرها أو حتى صيانتها بصورة مستقلة. التكنولوجيا بمعناها الإداري والاقتصادي الأوسع تتضمن المعرفة الفنية، والعمليات الإنتاجية، والبرمجيات، وأنظمة الجودة، والخبرة الهندسية، والملكية الفكرية، ومهارات الإدارة، وطرق البحث والتطوير. وتنتقل هذه القدرات عبر قنوات متعددة، أهمها تدريب العاملين، وانتقال الموظفين بين المؤسسات، والعلاقات بين الشركات الدولية والموردين المحليين، والمشروعات المشتركة، والتعاون البحثي مع الجامعات، والتفاعل المستمر بين المؤسسات المحلية والشركات متعددة الجنسيات. لذلك فإن نقل التكنولوجيا عملية تراكمية أكثر منها صفقة تجارية.
وهنا نصل إلى أحد أهم المفاهيم في إدارة الأعمال الدولية وهو القدرة الاستيعابية. فالمعرفة لا تنتقل لمجرد وجودها. يجب أن تكون المؤسسة المحلية قادرة على التعرف إليها، وفهمها، واستيعابها، ثم توظيفها وتطويرها. إذا كانت شركة دولية تمتلك تكنولوجيا متقدمة للغاية، بينما يفتقر الاقتصاد المضيف إلى المهندسين والباحثين والموردين المؤهلين ومختبرات الاختبار ومؤسسات البحث والتطوير، فإن المسافة المعرفية بين الطرفين قد تكون كبيرة لدرجة تحد من انتقال التكنولوجيا. وهذا يقود إلى حقيقة مهمة وهي ان نجاح نقل التكنولوجيا يعتمد بقدر كبير على جاهزية المتلقي. ومن هنا يصبح الاستثمار في التعليم والجامعات والبحث العلمي والتدريب الصناعي جزءًا مباشرا من سياسة الاستثمار الأجنبي.
يمكن قياس عمق الاستثمار الأجنبي جزئيًا من خلال مقدار ارتباطه بالاقتصاد المحلي. فإذا كان المصنع الأجنبي يستورد معظم مدخلاته وخدماته وخبراته من الخارج، فإن أثره المحلي يظل محدودًا نسبيًا مهما كان حجم الاستثمار. أما عندما يبدأ بشراء المكونات والخدمات الهندسية والبرمجيات والخدمات اللوجستية من شركات محلية، فإنه يفرض بصورة غير مباشرة معايير جديدة على هذه الشركات. حتى تصبح الشركة الأردنية موردا لشركة عالمية، قد تضطر إلى تحسين الجودة، والتوثيق، والإدارة، والأمن السيبراني، والامتثال، والإنتاجية، والتسليم. وهنا يحدث نوع بالغ الأهمية من نقل المعرفة عبر متطلبات السوق نفسها. ويصبح الاستثمار الأجنبي أداة لرفع مستوى قطاع كامل.
من أكثر الأخطاء شيوعًا تقييم سياسة الاستثمار باستخدام مؤشرات كمية منفردة، حجم التدفقات، وعدد المشاريع، وقيمة رأس المال المسجل، وعدد الوظائف. هذه المؤشرات مهمة، لكنها لا تكشف نوعية الأثر. فالأجدى إضافة مؤشرات أكثر عمقا كنسبة المشتريات المحلية، وعدد الوظائف عالية المهارة، وحجم الإنفاق على البحث والتطوير، وعدد الموردين المحليين الذين جرى تأهيلهم، وبراءات الاختراع، وحجم الصادرات الناتجة عن الاستثمار، ومدى انتقال المعرفة إلى المؤسسات الوطنية.فالاستثمار الذي يخلق ألف وظيفة منخفضة المهارة ليس بالضرورة أكثر قيمة استراتيجية من استثمار أصغر يؤسس مختبرا هندسيا، وينقل معرفة متقدمة، ويؤهل مئات المهندسين، ويبني سلسلة موردين محلية قابلة للتصدير. الدولة التي تقيس الاستثمار بالقيمة المالية وحدها ترى حجم الصفقة، أما الدولة التي تقيسه بالقدرة التي يتركها خلفه فترى أثره التنموي طويل الأجل.
يحتاج الأردن في تقديري، إلى الانتقال تدريجيا من مفهوم جذب الاستثمار إلى مفهوم أوسع هو جذب الاستثمارات الاستراتيجية، أي جذب الاستثمار الذي يخدم أولويات التحول الاقتصادي الوطني. فالاقتصاد الأردني لا يستطيع بناء تنافسيته طويلة الأجل على انخفاض الأجور أو اتساع السوق المحلية. ميزته المحتملة تكمن في رأس المال البشري، والموقع، والاتصال بالأسواق، والخدمات، والقدرة المؤسسية، وبعض القطاعات التي راكم فيها خبرة حقيقية. ولذلك ينبغي إعطاء وزن أكبر للاستثمارات القادرة على بناء قدرات في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الصحية، وتكنولوجيا المعلومات، والأمن السيبراني، والخدمات الرقمية، والصناعات الهندسية، والطاقة والمياه، والتقنيات الدفاعية ذات الاستخدامات المشروعة، والصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة. لكن اختيار القطاعات وحده غير كافٍ. يجب أن يقابله برنامج وطني لتطوير الموردين، وربط الاستثمار بالجامعات، والتدريب، والبحث والتطوير، وبناء المهارات.
نجحت أيرلندا في جذب شركات دولية كبرى في التكنولوجيا والأدوية والخدمات المتقدمة، لكن أهمية التجربة تكمن في أنها ربطت الاستثمار برأس المال البشري والتعليم والبنية البحثية والاندماج في الأسواق الأوروبية. وبذلك اصبح الاستثمار الأجنبي جزءا من إعادة تشكيل هيكله. أفضل سياسة استثمارية هي التي تتكامل مع سياسة التعليم والمهارات والابتكار.
تمثل التجربة الكورية نموذجًا مختلفا، إذ استفادت البلاد من المعرفة والتكنولوجيا الأجنبية، لكنها لم تجعل الاعتماد عليها غاية دائمة. عملت الشركات والمؤسسات الكورية على التعلم والتطوير وبناء قدراتها الخاصة حتى انتقلت تدريجيا من استيعاب التكنولوجيا إلى تطويرها والمنافسة بها. نقل التكنولوجيا الناجح ينتهي ببناء قدرة محلية على الابتكار.
استخدمت الصين حجم سوقها وقاعدتها الصناعية وعلاقاتها مع الشركات الدولية لتطوير منظومات إنتاج وموردين وقدرات تكنولوجية محلية، وإن اختلفت أدوات السياسة باختلاف المرحلة والقطاع.والأهم في التجربة ليس استنساخ أدواتها، التي قد لا تناسب الاقتصادات الأصغر أو التزاماتها الدولية، وإنما فهم المبدأحيث ان الدولة تعرف مسبقًا ماذا تريد أن يتعلم اقتصادها من دورة الاستثمار. التفاوض الاستثماري الأكثر ذكاء يسأل عما سيبقى في الاقتصاد بعد عشر سنوات.
يجب التمييز هنا بين مفهومين. الأول هو الاستقلال التكنولوجي المطلق، وهو هدف غير واقعي لمعظم الدول في اقتصاد عالمي شديد الترابط. والثاني هو القدرة الوطنية على الفهم والاختيار والتشغيل والتطوير. وهذه هي القضية الأكثر أهمية. فلا يحتاج الأردن إلى تصنيع كل شيء محليا، لكنه يحتاج في القطاعات ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية إلى امتلاك مستوى كافٍ من المعرفة يمنعه من أن يكون مجرد مستخدم نهائي لا يفهم التكنولوجيا التي يعتمد عليها. السيادة المعرفية بهذا المعنى ليست الانغلاق عن العالم، وإنما الانفتاح عليه من موقع يمتلك القدرة على التعلم والتفاوض والاختيار.
يمكن اختزال التحول المطلوب في السياسة الاستثمارية في معادلة فكرية بسيطة وهي الاستثمار الأجنبي + رأس المال البشري + المورد المحلي + البحث والتطوير + القدرة الاستيعابية = قيمة وطنية تراكمية. وإذا غابت هذه الروابط، فقد يبقى الاستثمار جزيرة اقتصادية منفصلة عن بقية الاقتصاد. لذلك يمكن أن تتضمن استراتيجية الاستثمار المستقبلية للأردن، إلى جانب معايير الجدوى الاقتصادية، مؤشرات لقياس نقل المعرفة، وتنمية الموردين، والوظائف النوعية، والبحث والتطوير، والصادرات، والتدريب المتخصص. والهدف ليس فرض أعباء غير تنافسية على المستثمر، وإنما تصميم علاقة تحقق منفعة متبادلة طويلة الأجل.
السؤال الأول ليس كم مليارا من الاستثمار الأجنبي نريد جذبها؟ لكن ما التركيبة القطاعية التي نريد أن يصبح عليها الاقتصاد الأردني بعد عشر سنوات، وما الاستثمارات التي تقودنا إليها؟ والسؤال الثاني هل تمتلك المؤسسات الأردنية القدرة الاستيعابية الكافية للاستفادة من التكنولوجيا التي تجلبها الشركات الدولية؟ والثالث هل تقيس الدولة نجاح الاستثمار بعدد الوظائف وقيمة رأس المال، أم تقيس أيضا المعرفة والإنتاجية والصادرات والبحث والتطوير وسلاسل الموردين؟ والرابع لماذا لا يصبح لكل استثمار استراتيجي كبير مسار موازٍ لبناء القدرة المحلية يشمل الجامعات ومراكز التدريب والموردين والمهندسين الأردنيين؟ أما السؤال الأبعد أثرا فهو بعد عشر سنوات من دخول مستثمر عالمي إلى الأردن، ما الذي يجب أن يكون الأردنيون قادرين على فعله بأنفسهم ولم يكونوا قادرين عليه قبل دخوله؟ ربما يكون هذا هو المؤشر الحقيقي لنجاح الاستثمار.
إن الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يكون قناة لنقل المعرفة، وإعادة تشكيل الهياكل الإنتاجية، ورفع الإنتاجية، وبناء القدرات الوطنية. إلا أن هذه النتائج لا تحدث بصورة تلقائية. فالاستثمار يتحول إلى تنمية عندما يجد أمامه اقتصادا قادرا على الاستيعاب، ومؤسسات تعرف ما تريد، ورأس مال بشريًا قادرا على التعلم، وسياسة اقتصادية تربط جذب المستثمر ببناء القدرات المحلية.وبالنسبة للأردن، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون مجرد زيادة حجم الاستثمار الأجنبي، وإنما رفع القيمة الوطنية لكل دينار مستثمر. وهنا يتغير جوهر السياسة الاستثمارية من المنافسة على رأس المال إلى المنافسة على المعرفة، ومن استقطاب الشركات إلى بناء الشراكات، ومن حساب الأموال الداخلة إلى قياس القدرات التي تبقى.