إذا كان الماء رأس مال.. فكم تبقى للأردن؟

العالم في عصر "إفلاس المياه".. حين يصبح الماء رصيداً ينفد
الأردن بين الديسي والمياه الجوفية والناقل الوطني
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم تعد المياه تختبئ في الأنهار والينابيع والسدود والآبار بوصفها نعمة طبيعية تبدو حاضرة كلما فتح الإنسان صنبوراً، بل بدأت تظهر في الحسابات العالمية كأنها رأس مال قابل للنفاد؛ رأس مال أنفقه البشر في بعض المناطق أسرع مما تستطيع الطبيعة أن تعيده، حتى باتت أنظمة مائية كاملة تفقد قدرتها على العودة إلى ما كانت عليه.
في يناير/كانون الثاني 2026، أطلقت جامعة الأمم المتحدة تحذيراً لافتاً في قاموس أزمات المياه، حين وصفت المرحلة التي تدخلها أجزاء من العالم بأنها "عصر إفلاس المياه"، في تقرير بعنوان Global Water Bankruptcy: Living Beyond Our Hydrological Means in the Post-Crisis Era. ويشير التقرير إلى أن الاستخدام المفرط للمياه تجاوز في عدد من الأحواض النهرية والمياه الجوفية حدود الاستدامة، بما يهدد قدرة بعض الأنظمة المائية على استعادة مستوياتها السابقة.
ولا يعني "إفلاس المياه" اختفاء المياه من الكوكب، بل وصول أنظمة مائية إلى مرحلة يصبح فيها استهلاك الموارد المتجددة والمخزونات الطبيعية أكبر من قدرتها على التعافي، بفعل الاستنزاف والتلوث والجفاف وتغير المناخ وتدهور الأراضي وتكمن خطورة المرحلة في أن الأزمة لم تعد مرتبطة بعام جاف أو موسم مطري ضعيف، وإنما بتراكم الضغوط إلى حد قد يصبح معه التعافي أصعب أو غير ممكن من دون تغيير جذري في إدارة المياه.
المياه الجوفية.. الرصيد المخفي
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى المياه الجوفية، التي تمثل نحو 99% من المياه العذبة السائلة على الأرض، وتوفر نحو نصف المياه المسحوبة للاستخدام المنزلي عالمياً، فيما تذهب قرابة 69% من عمليات استخراجها إلى الزراعة، وفق اليونسكو.
ويحذر تقرير «إفلاس المياه» من أن نحو 70% من الأحواض الجوفية الرئيسية التي تناولها تشهد انخفاضات طويلة الأمد، فيما ارتبط استنزاف المياه الجوفية بهبوط الأراضي في مساحة تتجاوز 6 ملايين كيلومتر مربع ويعيش ضمن نطاقاتها نحو ملياري شخص وبذلك لا يستهلك العالم المياه الحالية فحسب، بل يخاطر باستنزاف قدرته على تأمين المياه في المستقبل.
وتتسع دائرة التأثير مع اتساع أزمة الشح؛ إذ يعيش نحو 4 مليارات شخص مع شح مائي شديد لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً، بينما لا يزال 2.1 مليار شخص يفتقرون إلى مياه شرب مُدارة بأمان، و3.4 مليار إلى خدمات صرف صحي مُدارة بأمان، وفق بيانات الأمم المتحدة لعام 2026 كما ربط تقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية الموارد المائية لعام 2026 أزمة المياه بعدم المساواة، مشيراً إلى أن النساء والفتيات يقضين نحو 250 مليون ساعة يومياً في جمع المياه.
الشرق الأوسط في مقدمة الخطر
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبدو الصورة أكثر قسوة حيث تصنف بيانات معهد الموارد العالمية المنطقة باعتبارها الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي عالمياً، إذ يعيش نحو 83% من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظروف إجهاد مائي شديد للغاية وفق بيانات Aqueduct. وتشير توقعات المعهد إلى أن النسبة قد تصل إلى 100% بحلول 2050 في حال استمرار الاتجاهات الحالية كما يتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على المياه بين 20 و25% بحلول 2050.
وبذلك لا يأتي التحذير الأممي عن "إفلاس المياه" من فراغ بالنسبة إلى المنطقة؛ فالشرق الأوسط يعيش أصلاً في واحدة من أكثر البيئات المائية هشاشة في العالم، فيما يضيف تغير المناخ ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول وتكرار موجات الجفاف إلى قائمة الضغوط القائمة أصلاً.
الأردن.. عندما يصبح الماء رأس مال لا يجوز استهلاكه
في الأردن تبدو المصطلحات العالمية أقل تجريداً بكثير؛ فشح المياه ليس سيناريو مستقبلياً، وإنما واقع يومي تتعامل معه الدولة والمواطن والمزارع.
وتشير الاستراتيجية الوطنية للمياه إلى أن حصة الفرد الأردني من المياه تقل عن 61 متراً مكعباً سنوياً لجميع الاستخدامات، وهو مستوى يقع بعيداً جداً عن خط الفقر المائي المتعارف عليه دولياً.
لكن المشكلة الأردنية لا تختصرها قلة الأمطار وحدها؛ فالمملكة تواجه فجوة مزمنة بين الموارد المتاحة والطلب، إلى جانب تراجع الأحواض الجوفية نتيجة الضخ الجائر وتذبذب الهطول والتغيرات المناخية.
وتظهر وثائق سياسة استدامة المياه الجوفية الأردنية حجم الضغط؛ إذ تقدر الوزارة الحد الآمن للضخ من المياه الجوفية المتجددة بنحو 277 مليون متر مكعب سنوياً، بينما تجاوز الاستخراج في عام 2021 ذلك الحد بنحو 172 مليون متر مكعب، إضافة إلى تقديرات بوجود 100 إلى 120 مليون متر مكعب سنوياً من المياه الجوفية الإضافية المستخدمة لأغراض زراعية في مناطق المرتفعات وهذه أرقام تعود إلى بيانات السنوات التي تناولتها السياسة، ولذلك ينبغي قراءتها باعتبارها مؤشراً على حجم الاستنزاف وليس قياساً آنياً لعام 2026.
والأكثر دلالة أن الوزارة نفسها تصف المياه الجوفية بأنها باتت ركيزة للأمن المائي الوطني، فيما تعمل حالياً على دراسة استدامة حوض الديسي، أحد أكبر أنظمة المياه الجوفية غير المتجددة والعابرة للحدود في المنطقة، من خلال نمذجة حركة المياه والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية وربطها بأنماط الضخ.
صيف 2026.. الأرقام تكشف هشاشة المشهد
وفي صيف هذا العام لم يكن الحديث عن أزمة المياه مجرد تحذير بعيد المدى فوزارة المياه والري أعلنت أن العجز المائي قد يصل إلى نحو 15 مليون متر مكعب خلال صيف 2026، في وقت لم يتجاوز فيه الموسم المطري نحو 60% من المعدل العام، بينما انخفض مخزون السدود بنحو 80 مليون متر مكعب مقارنة بالعام السابق، خصوصاً في سدود تستخدم لأغراض الشرب مثل سد الوحدة وسد الموجب.
وفي تحديث آخر قالت الوزارة إن العجز المائي ارتفع هذا الصيف بأكثر من 10% مقارنة بالعام السابق، مشيرة إلى أن الموسم المطري لم يتجاوز 50% من أمطار العام الماضي ونحو 60% من المعدل السنوي العام، مع تراجع مخزون السدود بنحو 80 مليون متر مكعب عن العام السابق كما أكدت الوزارة أن مستويات الأحواض الجوفية تتراجع عاماً بعد عام بفعل الضخ الجائر، إلى جانب تأثيرات تغير المناخ وتذبذب الأمطار.
وهنا تظهر المفارقة الأردنية بوضوح: حتى عندما تأتي الأمطار، لا يعني ذلك بالضرورة أن المشكلة انتهت؛ لأن جزءاً من الأزمة مرتبط بما يدخل إلى النظام المائي، وما يخرج منه، وما يتم فقده أو استنزافه قبل أن يصل إلى نقطة الاستخدام.
الأردن لا يكتفي بالبحث عن مياه جديدة
أمام هذه المعادلة، تتحرك المملكة على أكثر من مسار؛ فبدلاً من الاعتماد على المطر والمياه الجوفية وحدهما، تتجه نحو تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وخفض الفاقد، وتأهيل الآبار، وتحسين إدارة الموارد القائمة.
وفي قلب هذه الاستجابة يأتي مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه من العقبة إلى محافظات المملكة، الذي يستهدف إنتاج نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً، باستخدام تقنية التناضح العكسي، ونقل المياه عبر خط يبلغ طوله نحو 450 كيلومتراً، مع مكونات للطاقة المتجددة تستهدف توليد نحو 31% من الكهرباء المطلوبة للمشروع من مصادر متجددة.
وفي يوليو/تموز 2026، أعلنت الوزارة بدء تأهيل ائتلافات الشركات المتنافسة على تنفيذ المشروع، حيث تقدم 13 ائتلافاً للمشاركة، على أن يتم تأهيل أفضل خمسة ائتلافات لتقديم عروضها الفنية والمالية. وأكدت الوزارة أن المشروع يستهدف تحلية ونقل ما بين 250 و300 مليون متر مكعب من مياه خليج العقبة لتأمين احتياجات المملكة خلال العقدين المقبلين.
وفي تطور آخر، أعلنت الوزارة أن الوثائق الفنية للمشروع اكتملت وأُرسلت إلى الائتلافات المؤهلة، مع توقع بدء تزويد مناطق المملكة بالمياه من المشروع خلال 2027 وفق الإعلان الرسمي الأخير.
أما الكلفة، فقدرت الوزارة المشروع بنحو ملياري دينار أردني، في وقت تتواصل فيه جهود تأمين التمويل.
وفي جانب التمويل الدولي، وقعت وزارة المياه والري مع بنك الإعمار الألماني KfW اتفاقية مرتبطة بالمشروع تتضمن مساهمة ألمانية قدرها 102 مليون يورو كمنحة، إلى جانب 25 مليون يورو من خلال مبادلة ديون، بإجمالي 127 مليون يورو.
هل يستطيع الأردن أن يعوّض ما يستنزفه؟
هنا تكمن أصعب أسئلة الأزمة المائية الأردنية فالناقل الوطني يستطيع إضافة 300 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة، لكنه لا يلغي وحده مشكلة الأحواض الجوفية التي استُنزفت لعقود، ولا يعني أن كل مصدر مائي قديم سيعود إلى مستواه الطبيعي بمجرد وصول مصدر جديد.
ولهذا تحدث وزير المياه عن أن المشروع سيساعد على إغلاق آبار عميقة مستنزفة، وإتاحة الفرصة أمام المياه الجوفية لاستعادة مستوياتها تدريجياً بعد تخفيف الضخ عنها.
وهذه النقطة تحديداً هي جوهر مفهوم "إفلاس المياه": لا يكفي أن تضيف دخلاً جديداً إلى الحساب إذا كنت تواصل إنفاق رأس المال القديم بالمعدل نفسه.
كل قطرة لا تضيع تصبح مصدراً جديداً
في الأردن لا يرتبط الأمن المائي بإنشاء مصادر جديدة فقط، بل بقدرة المملكة على حماية ما تملكه أصلاً وفي هذا السياق، تواصل وزارة المياه والري برامج خفض الفاقد وتأهيل مصادر المياه، إذ وقعت في 2026 اتفاقية تمويل بقيمة 15 مليون دولار لتطوير وتأهيل آبار وتحسين كميات المياه الداخلة إلى قناة الملك عبدالله، إلى جانب إجراءات تستهدف خفض فاقد القناة بنحو 5 ملايين متر مكعب سنوياً.
وبالتوازي تتواصل حملات ضبط الآبار المخالفة وحماية المياه الجوفية، في مؤشر على أن المعركة لا تدور حول تأمين مياه إضافية فحسب، بل حول وقف استنزاف الرصيد القائم.
ولا تنفصل هذه المعركة عن الزراعة؛ ففي يونيو/حزيران 2026 أطلقت منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، بالتعاون مع الحكومة اليابانية ووزارة الزراعة الأردنية، مشروعاً للتكيف مع الجفاف وشح المياه وتغير المناخ يستهدف نحو 380 مستفيداً من صغار المزارعين والتعاونيات والكوادر الزراعية في عجلون وجرش ووادي الأردن الشمالي، عبر تجارب للزراعة الذكية مناخياً وبناء القدرات في إدارة المياه والاستعداد للجفاف.
وهكذا يتجاوز التحدي الأردني سؤال كمية المياه المتاحة إلى سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يحافظ الأردن على رصيده المائي، ويستخدم كل قطرة بكفاءة، ويواصل إنتاج غذائه في مناخ أكثر جفافاً؟
حين تصبح الطاقة جزءاً من معادلة المياه
ولا يمكن فصل قصة المياه الأردنية عن الطاقة. فتحلية مياه البحر ونقلها لمسافة تقارب 450 كيلومتراً يحتاجان إلى كميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل العلاقة بين الماء والطاقة والمناخ أكثر وضوحاً.
ولهذا تعمل وزارة المياه أيضاً على تقليل الكلفة الطاقية لقطاع المياه؛ إذ تشير الوزارة إلى أن فاتورة الكهرباء تمثل نحو نصف الكلف التشغيلية لسلطة المياه، فيما يجري التوسع في الطاقة المتجددة، ومن ذلك محطة شمسية في منطقة الديسي بقدرة 24 ميغاواط، إلى جانب تخصيص جزء من منحة أوروبية لإنشاء نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات مرتبط بالمشروع.
وهنا تبرز معادلة جديدة: الأردن يحتاج إلى المياه المحلاة، والمياه المحلاة تحتاج إلى الطاقة، والطاقة إذا جاءت من الوقود الأحفوري تضيف انبعاثات إلى مشكلة المناخ التي تزيد أصلاً من الضغط على المياه؛ لذلك يصبح التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة جزءاً من الحل المائي وليس ملفاً منفصلاً عنه.
الأردن أمام معركة ليست مع العطش فقط
المشهد العالمي لا يقول إن البشرية ستستيقظ غداً على كوكب بلا مياه، كما قد توحي بعض العناوين المبالغ فيها، وإنما يكشف شيئاً أكثر تعقيداً: أن المياه التي اعتاد الإنسان اعتبارها مورداً متاحاً إلى ما لا نهاية بدأت تتحول في مناطق عديدة إلى رأس مال يجري إنفاقه أسرع من قدرة الطبيعة على تجديده وهنا يلتقي العالم مع الأردن في نقطة واحدة.
العالم يتحدث عن أحواض جوفية تتراجع وبحيرات تفقد مياهها، وأراضٍ تهبط بسبب الاستنزاف، وزراعة تواجه حدوداً مائية جديدة، واقتصادات تدفع ثمن الجفاف والأردن من جهته، يواجه أحواضاً جوفية تتراجع، وموسماً مطرياً لم يتجاوز 60% من المعدل العام، وعجزاً مائياً صيفياً يقدر بنحو 15 مليون متر مكعب، وسدوداً يقل مخزونها عن العام السابق بنحو 80 مليون متر مكعب، فيما يضع مشروع الناقل الوطني أمامه مهمة ضخمة لإضافة 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في كمية المياه التي يستطيع الأردن إضافتها، بل في قدرته على وقف استنزاف المياه التي يملكها بالفعل.
فإذا كانت المياه الجوفية هي "الرصيد"، والتحلية هي "دخل جديد"، وخفض الفاقد هو "وقف للهدر"، والزراعة الذكية هي "خفض للنفقات"، فإن المعركة الأردنية تصبح في جوهرها معركة إدارة حساب مائي بالغ الحساسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يملك الأردن ما يكفي من المياه؟ بل: هل يستطيع أن يتوقف عن إنفاق مائه أسرع مما تستطيع الطبيعة أن تعيده؟
ففي زمن "إفلاس المياه" قد لا تكون أخطر لحظة هي اللحظة التي تجف فيها البئر، وإنما اللحظة التي نواصل فيها ضخها ونحن نعرف أنها لن تعود كما كانت.