"حين يمر الزمن بنا هل نحن من يعيشه أم أنه من يعيشنا؟"
ليس غريباً أن يمضي الزمن، فهذه سنته التي لا تتبدل، لكن الغريب أن يمضي بنا ونحن نظن أننا الذين نمضي به. فالزمن لا يطرق أبوابنا، ولا يستأذن ذاكرتنا، ولا يمنحنا فرصة لإعادة اللحظة التي عبرت. إنه ذلك النهر الخفي الذي يحمل أيامنا واحدة تلو الأخرى، حتى نكتشف ذات مساء أن كثيراً مما ظنناه بداية كان نهاية، وأن أشياء حسبناها عابرة أصبحت جزءاً من تكويننا إلى الأبد.
منذ أن وعى الإنسان وجوده، وهو يحاول أن يفهم الزمن، لكنه ظل عاجزاً عن الإمساك به. يستطيع أن يقيسه بالساعات، وأن يقسمه إلى سنوات وفصول، لكنه لا يستطيع أن يقيس أثره في الروح. فساعة من الانتظار قد تبدو دهراً، وعام من الفرح قد يمر كأنه لحظة. وهنا يكمن سر الزمن: أنه لا يعيش في عقارب الساعة، بل في وعينا بما نعيشه.
نحن لا نتذكر الزمن كما حدث، بل كما ترك أثره فينا. ولذلك قد تكون لحظة واحدة أكثر حضوراً في ذاكرتنا من سنوات كاملة. كلمة قيلت في وقت حساس، لقاء عابر، رحيل لم نكن مستعدين له، أو لحظة انتصرنا فيها على أنفسنا؛ كلها قد تختصر أعواماً في ومضة. فالذاكرة ليست أرشيفاً محايداً، بل كائن حي يعيد ترتيب الماضي وفقاً لما بقي منه في القلب.
ولعل أكثر ما يربك الإنسان أنه يعيش بين ثلاثة أزمنة في اللحظة نفسها: ماض لا يستطيع تغييره، وحاضر سريع الانفلات، ومستقبل لم يصل بعد. وبين هذه الثلاثة يقضي عمره، يندم على ما مضى، ويؤجل ما ينبغي أن يعيشه، ويقلق مما لم يحدث. وهكذا قد يخسر الإنسان حاضره مرتين: مرة حين يعيشه مشغولاً بالماضي، ومرة حين يعيشه خائفاً من المستقبل.
إن الحكمة ليست في أن ننسى الماضي، ولا أن نتجاهل المستقبل، بل أن نضع كلاً منهما في مكانه الصحيح. فالماضي مدرسة لا ينبغي أن يتحول إلى سجن، والمستقبل أفق لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر دائم للقلق، أما الحاضر فهو المساحة الوحيدة التي نملك فيها قدرة حقيقية على الاختيار.
ولذلك فإن الإنسان لا يخسر عمره فقط عندما تمر السنوات، بل يخسره عندما تمر اللحظات من أمامه دون أن يكون حاضراً فيها. قد يجلس مع من يحب، بينما ذهنه في مكان آخر، وقد يمتلك يوماً جميلاً لكنه لا يراه لأنه منشغل بما ينقصه. وربما كانت إحدى أكبر مآسي الإنسان المعاصر أنه يملك وسائل كثيرة للاتصال بالعالم، لكنه يفقد قدرته على الحضور الحقيقي في اللحظة.
والزمن، في فلسفته العميقة، لا يسرق منا الأشياء فقط؛ إنه يكشف لنا قيمتها. حين نكون في قلب النعمة نعتادها، وحين تبتعد ندرك أنها كانت أعظم مما ظننا. ولهذا يأتي الوعي أحياناً متأخراً؛ بعد أن يغادر الأشخاص، وتنتهي الفرص، وتتغير الأماكن، فننظر إلى الماضي لا لأننا نريد العودة إليه، بل لأننا اكتشفنا أخيراً معناه.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نقيس الحياة بعدد السنوات التي عشناها، بل بعدد اللحظات التي كنا فيها أحياء حقاً. فهناك من عاش طويلاً ولم يترك أثراً، وهناك من كانت حياته أقصر، لكنه ملأها بالمعنى حتى بدت أطول من أعمار كثيرة. ليست قيمة العمر في امتداده، بل في كثافته الإنسانية؛ في ما منحناه، وما تعلمناه، وما أصلحناه، وفي مقدار النور الذي تركناه في حياة الآخرين.
ومع ذلك، يبقى الزمن معلماً قاسياً وعادلاً في آن واحد. فهو لا يميز بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا يمنح أحداً يوماً إضافياً لأنه كان أكثر نفوذاً. أمام الزمن تسقط كثير من الأوهام التي نبنيها حول أنفسنا، وندرك أن ما نظنه ملكاً دائماً ليس إلا أمانة مؤقتة. ولهذا فإن النضج الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن سؤال الزمن: ماذا أخذ منا؟ ونبدأ بسؤاله: ماذا علمنا؟
لقد يغيّر الزمن ملامحنا، لكنه لا يفرض وحده من نصبح. نحن الذين نمنح التجارب معناها، ونقرر إن كان الألم سيجعلنا أكثر قسوة أم أكثر رحمة، وإن كانت الخسارة ستجعلنا أسرى للماضي أم أكثر تقديراً لما بقي في أيدينا. فالزمن لا يصنع الإنسان وحده؛ الإنسان يعيد تشكيل نفسه بما يفعله بما منحه الزمن.
وفي نهاية المطاف، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم بقي لنا من الوقت؟ بل: ماذا سنفعل بما بقي؟ لأن العمر ليس ما مضى من أيامنا فقط، وإنما ما نستطيع أن نمنحه للأيام القادمة. وقد يكون أجمل انتصار على الزمن ألا نحاول إيقافه، فذلك مستحيل، بل أن نجعل مرورَه علينا سبباً في أن نصبح أكثر وعياً، وأكثر رحمة، وأكثر صدقاً مع أنفسنا.
فحين نصل إلى نهاية الطريق، لن يكون السؤال كم سنة عشنا، بل ماذا فعلنا بهذه السنوات؟ من أحببنا؟ من سامحنا؟ من أنصفنا؟ وما الأثر الذي بقي بعد أن عبرنا؟
وأقول أنا: إن الزمن لا يأخذ أعمارنا بقدر ما يكشف حقيقتها؛ فمن عاش للظاهر أكلته الأيام، ومن عاش للمعنى ترك شيئاً منه في الأيام. لذلك لا أخشى مرور الزمن بقدر ما أخشى أن يمر بي دون أن يجعلني أكثر إنسانية؛ فالعمر الذي لا يضيف إلى الروح حكمة، وإلى القلب رحمة، وإلى الحياة أثراً، ليس طويلاً مهما طال.
بقلم د. عمّار محمد الرجوب