دور العدالة في رحلة العقل العربي

العدالة فضيلة أخلاقية ولست فضيلة عقلية كالبحث عن الحقيقة، ولكن العقل بحاجة إلى فضائل اخلاقية وإلى مجتمع فاضل ليستطيع أن ينمو بتوازن واتساق، فعندما تختل إحدى أهم الفضائل الاخلاقية كالعدالة  وتغيب عن مجتمع ما، فإن العقل الاخلاقي يطالب بوجودها وتوفرها في المجتمع الذي يعد حاضنته والمدافع عنه. 

في كل محاكم الدول العربية هناك لوحة تكتب وتوضع في مكان بارز ليقرأها الناس" العدل أساس المُلك" و هي عبارة صحيحة ومنطقية فلا يصح ولا يدوم المُلك بلا عدل أو عدالة، لكن إذا كان العدل أساس المُلك فهو أساس كل سلطة أيضا وأساس كل عقد اجتماعي أبرم بين الناس ومنْ فوّضوه لحكمهم وللإدارة شؤون حياتهم وتوزيع دخلهم القومي والوطني بعدل على أبناء الشعب.

لم يولد الإنسان عادلا أو مراعيا للعدل في حياته بل ولد أنانيا محباً لذاته طامعا في البقاء والاستيلاء على كل ما يستطيع الاستيلاء عليه، ولكن عندما بدأ يُكون جماعاته البشرية ومجتمعاته الصغيرة، بدأ يفكر أن عليه إقامة توازن بين الأفراد وبين الجماعات وبين القوي والضعيف والفقير والغني وبين الصحيح المريض فقاده تفكيره إلى إقامة قانون اخلاقي ينظم هذه العلاقات وتوازنها بين الأفراد فهداه عقله إلى العدل الاجتماعي والإنساني الذي يضمن عدم اعتداء الناس بعضهم على بعض إذا رسخ بينهم مبدأ العدالة والإخضاع للقانون يطبق على الجميع ولا يستثني أحد.

هكذا بدأ الإنسان البدائي  الغرائزي بالتمدن والتحضر وانتقل إلى بناء المدينة والعيش فيها يحميه القانون وتضمن له العدالة وتوزيع الثروة والعيش الكريم واحترام الحد  الادنى من حقوقه وواجباته. 

صحيح أن العدالة مرتبطة بالقانون الوضعي والتشريعي ولكنها فضيلة تنمى في ضمير الشخص الإنساني ذاته منذ الصغر فاخترعت القاعدة المنطقية والأخلاقية " افعل لغيرك ما تحب أن يفعله الآخرون لك".

لم يعرف العرب للأسف الكثير من العدل على مدى تاريخهم وإن ظهر بينهم في حقب معينة خلفاء وحكام عادلون يعدون على أصابع اليد الواحدة ولكنهم استثناء لا القاعدة؛ فالقاعدة كانت أن السلطان مُنح كل شيء ويتحكم بكل الخيرات والثروات التي تحت سلطانه ويتصرف بها كيفما يشاء، ولا يحد من سلطانه أي رادع أو قانون سوى ما يمليه عليه ضميره،
وعندما  ظهرت الدساتير في الدول الحديثة أبقت بيد السلطان سلطات واسعة جداً بحيث يستطيع التصرف كيفما يشاء وبمنْ يشاء. فيرفع ذاك ويخفض الاخر ويبني حاشية حوله ألتي تنعم  بالرزق ويعاقب من يريد معاقبته أو من خالفه الرأي دون رجوع إلى قانون أو دستور. بل اصبح جهاز الدولة كله تحت سلطته يتلاعب به حسب أهواءه. 

لذا لم يستتب العدل في الوطن العربي ولم يعد يعرف الناس مذاقه الحقيقي إلا في مرات قليلة فقد ادخل إلى أذهانهم إن الأرزاق موزعة من قبل الله لا من قبل السلطان ولا الدولة ولا القانون ولا السياسات الاقتصادية المتبعة. 

ولهذا ظهرت من جزاء غياب العدالة في توزيع الثروة والدخل الوطني والقومي  على المواطنيين، ظهرت طبقات مالية بعضها طفيلي وبعضها غنيت من استغلال حاجات الناس والفقراء منهم بحيث اصبح العدل والتوزيع العادل للثروة حلم يحلم به المواطنون الشرفاء ولا سبيل إلى بلوغه؛ فإذا كان القاضي غريمك فلمن تلجأ..؟ هذا ما تعود المواطنون العرب على ترديده دون مقاومة, بل باستسلام مُذل وصمت أبدّي. 

لا يستطيع الوطن العربي النهوض والازدهار دون تحقيق الحد الادنى من عدالة التوزيع للثروة ولا في ظل قوانين مجحفة في حق العمال والفلاحين والطبقات الضعيفة من المواطنيين، بل أن مفهوم  المواطنة نفسه تعرض إلى التدمير الممنهج، ليتحول الناس إلى رعايا وينتظرون أن يمًن عليهم السلطان أو الحكومات بالقدر الكافي من الكرامة والخبز والعمل ليستطيعوا أن يصمدوا في معركة الحياة وصراع البقاء.

د. جورج الفار