مشروع السكك الحديدية بين المصلحة العامة والعدالة التشريعية

مشروع السكك الحديدية بين المصلحة العامة والعدالة التشريعية

عماد عبدالقادر عمرو

لا يختلف اثنان على أن مشروع السكك الحديدية يعد من أهم المشاريع الاستراتيجية التي يحتاجها الأردن في هذه المرحلة، لما له من دور في تعزيز الاقتصاد الوطني، وتخفيض كلف النقل، وربط المحافظات، ودعم الاستثمار، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي إقليمي. ولذلك، فإن تأييد هذا المشروع يجب أن يكون محل إجماع، لأنه استثمار في مستقبل الدولة والأجيال القادمة.

غير أن الجدل الذي أثير حول استملاك الربع القانوني من الأراضي دون تعويض لم يكن اعتراضاً على المشروع ذاته، وإنما انصب على الوسيلة القانونية لتحقيقه، ومدى اتساقها مع مبادئ العدالة وحماية الملكية الخاصة.

فالملكية الخاصة ليست مجرد أصل مالي، بل هي حق دستوري يجب أن يظل مصاناً، حتى عند تغليب المصلحة العامة. وتجارب العديد من الدول أثبتت أن نجاح مشاريع البنية التحتية لا يعتمد فقط على توافر التمويل أو سرعة التنفيذ، وإنما أيضاً على بناء الثقة مع المواطنين من خلال تشريعات عادلة ومتوازنة.

ومن المهم هنا التمييز بين استملاك الأراضي لإنشاء الطرق، واستملاكها لمشاريع السكك الحديدية. ففي كثير من الأحيان، يؤدي مرور طريق عام إلى رفع القيمة السوقية للأراضي المجاورة، وقد يتيح مستقبلاً تغيير استعمالاتها من زراعية أو سكنية إلى تجارية أو استثمارية، بما يحقق منفعة مباشرة أو غير مباشرة لمالكها.

أما مسار السكك الحديدية، فالوضع مختلف في كثير من الحالات؛ إذ قد يقسم الأرض، أو يحد من إمكانات استثمارها، أو يخفض قيمة الجزء المتبقي منها، دون أن يحقق لصاحبها منفعة اقتصادية تعادل ما فقده. ولذلك، فإن معاملة الحالتين تشريعياً بالطريقة نفسها تستحق إعادة النظر، لأن الأثر الاقتصادي لكل منهما ليس واحداً.

ولعل من الأنسب دراسة بدائل تحقق المصلحة العامة وتحافظ في الوقت ذاته على حقوق المواطنين، مثل التعويض العادل، أو منح أصحاب الأراضي المشمولة بالاستملاك أراضي بديلة تعادل قيمة أراضيهم وموقعها قدر الإمكان، أو منحهم أسهماً في الشركة المنفذة للمشروع بما يعادل قيمة الجزء المستملك، ليصبحوا شركاء في مشروع وطني كبير بدلاً من أن يتحملوا وحدهم جزءاً من كلفته.

وفي ظل النقاش الدائر، فإن ما أنصح به حكومتنا الرشيدة هو التريث قبل إقرار النص بصيغته النهائية، وإتاحة المجال لحوار قانوني ومؤسسي أوسع، تشارك فيه وزارة العدل، ونقابة المحامين، والجهات القانونية والهندسية والاقتصادية المختصة، للوصول إلى صياغة تشريعية متوازنة تحقق المصلحة العامة، وتحمي الملكية الخاصة، وتحظى بثقة المجتمع.

فالغاية ليست تعطيل مشروع السكك الحديدية، بل إنجاحه على أسس قانونية راسخة. فالقوانين التي تمس حقوق الملكية تستحق نقاشاً وطنياً معمقاً، لأن آثارها تمتد لعقود، بينما تبقى العدالة هي الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية.
إن نجاح مشروع السكك الحديدية لن يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي سيتم إنشاؤها، وإنما بقدرة الدولة على تقديم نموذج تشريعي يجمع بين التنمية والعدالة، ويحفظ حقوق الأفراد دون أن يعيق تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى. وعندما تتحقق هذه المعادلة، فإن المشروع لن يكون مجرد خط للسكك الحديدية، بل محطة جديدة في مسيرة الإصلاح والتحديث، وتجسيداً حقيقياً لدولة القانون والمؤسسات.

رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً