حقوق الأردن في مواجهة الاعتداءات الإيرانية
عادت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة الأحداث خلال الأيام الماضية، وشهدت المنطقة اعتداءات إيرانية استهدفت الأراضي الأردنية بالصواريخ والطائرات المسيرة بصورة متعمدة، مما شكل تهديدا مباشرا لسلامة المواطنين والمنشآت العامة والخاصة، فضلا عن تعريض حركة الطيران المدني للخطر. وفي ظل هذه التطورات، تثور تساؤلات قانونية حول الوسائل التي يتيحها القانون الدولي للأردن لمواجهة هذه الاعتداءات الغاشمة التي طالت إقليمه وشعبه، رغم أنه ليس طرفا في النزاع العسكري القائم.
تتمثل نقطة البداية في التكييف القانوني لهذه الاعتداءات في التأكيد على أن الأردن دولة مستقلة تتمتع بسيادة كاملة على إقليمها البري ومياهه الإقليمية ومجاله الجوي. وبناء على ذلك، فإن دخول الصواريخ أو الطائرات المسيرة إلى المجال الجوي الأردني أو سقوطها داخل أراضي المملكة يشكل انتهاكا صريحا لسيادتها، ويتعارض مع أحكام المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر على الدول التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أية دولة أو استقلالها السياسي.
وقد كرست محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في العديد من أحكامها، وفي مقدمتها قضية مضيق كورفو لعام 1949، التي قررت فيها بأن احترام سيادة الدول وسلامة أقاليمها يمثل أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وأن أي انتهاك لإقليم دولة أخرى يرتب المسؤولية الدولية. كما أكد مجلس الأمن في قراره رقم (487) لسنة 1981 أن استخدام القوة ضد إقليم دولة ذات سيادة يمثل انتهاكا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
وفي مواجهة هذه الاعتداءات، يملك الأردن، أولا، حق الدفاع الشرعي عن النفس، بما يشمل اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة قبل وصولها إلى أهدافها، واتخاذ جميع التدابير العسكرية اللازمة لحماية إقليمه وسكانه، استنادا إلى أحكام المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. كما يحق له التقدم بشكوى إلى مجلس الأمن، وطلب عقد جلسة للنظر في الاعتداءات الواقعة على أراضيه باعتبارها تهديدا للسلم والأمن الدوليين، ويجوز له كذلك إحاطة الجمعية العامة للأمم المتحدة بهذه الانتهاكات، وحشد موقف دولي يدين المساس بسيادته ويطالب بوقف هذه الاعتداءات وعدم تكرارها.
ويستند الأردن في ذلك إلى إعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، الصادر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2625) لسنة 1970، الذي أكد التزام جميع الدول بالامتناع عن استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول الأخرى أو استقلالها السياسي، واعتبر احترام سيادة الدول أساسا لاستقرار النظام الدولي.
ويثبت للأردن كذلك الحق في مطالبة الدولة الإيرانية بالتعويض عن جميع الأضرار التي ترتبت على أفعالها غير المشروعة دوليا، سواء تمثلت في الخسائر البشرية، أو الأضرار المادية التي لحقت بالممتلكات والمنشآت، أو النفقات التي تحملتها الدولة نتيجة عمليات الدفاع الجوي وإغلاق المجال الجوي وتعطيل حركة الطيران. وهذا ما استقر عليه قضاء محكمة العدل الدولية، ولا سيما في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، التي قررت أن كل فعل غير مشروع دوليا يرتب مسؤولية الدولة التي ارتكبته، ويلزمها بوقفه وجبر الضرر جبرا كاملا، سواء بالتعويض المالي أو بغيره من وسائل جبر الضرر المعترف بها في القانون الدولي.
كما يمكن للأردن إحالة المعلومات والأدلة المتعلقة بهذه الاعتداءات إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن تعمد استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية أثناء نزاع مسلح يشكل جريمة حرب تدخل في اختصاص المحكمة بموجب نظام روما الأساسي. وعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية تختص بمحاكمة الأشخاص الطبيعيين دون الدول، فإن ذلك لا يحول دون مساءلة القادة العسكريين أو المسؤولين الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية عن ارتكاب هذه الجرائم أو الأمر بارتكابها، وفقا لأحكام نظام روما الأساسي.
إن احترام سيادة الدول وعدم تحويل أراضيها أو مجالها الجوي إلى مسرح للعمليات العسكرية أو لتصفية النزاعات الإقليمية يعد من المبادئ الراسخة التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي. ومن ثم، فإن لجوء الأردن إلى الوسائل القانونية والدبلوماسية والقضائية التي يقررها القانون الدولي لا يهدف إلى جبر الأضرار التي لحقت به فحسب، وإنما يؤكد تمسكه بسيادته وحقه في حماية أمنه الوطني، ويسهم في ترسيخ مبدأ المساءلة الدولية وصون السلم والأمن الدوليين، بما يحول دون إفلات الدول أو الأفراد من المسؤولية عن انتهاكاتهم للقانون الدولي.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية