مهرجان جرش في دورته الأربعين ... تجربة تُروى بعد أن تُعاش
مسرح الهيبودروم الذي صنع الفارق
من المسرح الجنوبي الى المسرح الشمالي تبقى الحكاية مستمرة
الأنباط – عمر الخطيب
هناك مهرجانات تُقام وهناك مهرجانات تُصنع لها ذاكرة لا تغادر الوجدان، وفي دورته الأربعين لم يكتفِ مهرجان جرش للثقافة والفنون بالاحتفال برقم جديد في سجله وإنما قدّم نموذجا متجددا يؤكد أن الإرث الحقيقي لا يُحفظ بالحنين وحده وإنما يُبنى بالرؤية ويزدهر بالتطوير وتلتقي عنده الأجيال "إرث يمتد ...وأجيال تلتقي" لم يكن مجرد شعار للدورة الأربعين بل أصبح مشهدا حيا يعيشه كل من تطأ قدماه مدينة جرش فمنذ لحظة الدخول يلتقي الزائر بعائلات جاءت لتصنع ذكرياتها وشباب وجدوا في المهرجان مساحة للفن والثقافة وأطفال يعيشون دهشة التجربة للمرة الأولى، وسياح حملوا معهم انطباعا سيبقى حاضرا طويلا عن الأردن وأهله.
ولعل أبرز ملامح هذه الدورة كان النجاح التنظيمي الذي انعكس على تفاصيل التجربة كاملة، بدءا من انسيابية الدخول مرورا بحسن إدارة الفعاليات ووصولا إلى توفير الخدمات التي جعلت الزائر يعيش يومه براحة وطمأنينة، وفي خلفية هذا المشهد برزت رؤية تطويرية قادت العمل بهدوء وثقة جسدها المدير التنفيذي للمهرجان يزن الخضير الذي آمن بأن نجاح الدورة الأربعين لا يُقاس بعدد الأمسيات وإنما بجودة التجربة التي يعود بها كل زائر إلى منزله.
غير أن النقلة التي ستبقى مرتبطة بهذه الدورة كانت ولادة مسرح الهيبودروم في عهد يزن الخضير الذي جاء ثمرة لهذه الرؤية ولم يكن مجرد مسرح جديد يضاف إلى خارطة مهرجان جرش وإنما مساحة أعادت تعريف علاقة الجمهور بالفعاليات الثقافية والفنية، ويتسع المسرح قرابة 2500 متفرج، وفتح أبوابه مجانا أمام الجميع ليؤكد أن الفن الراقي يمكن أن يكون متاحا لكل من يرغب في عيش التجربة ولم يكن الإقبال الكبير عليه وليد الصدفة بل نتيجة تجربة متكاملة صنعتها أدق التفاصيل .
فما إن تبدأ العروض حتى يدرك الزائر أنه أمام مشهد مختلف، منظومة صوتية عالية النقاء وإضاءة احترافية رسمت لوحات بصرية آسرة، وإدارة ميدانية حافظت على انسيابية الحركة لتتحول كل أمسية إلى رحلة فنية متكاملة لا يقتصر الإبداع فيها على خشبة المسرح، وإنما يمتد إلى كل زاوية من المكان، وحول المسرح حضرت جميع الخدمات التي يحتاجها الجمهور من المأكولات والمشروبات والمخبوزات إلى الحرف اليدوية والمنتجات التراثية، مرورا بالمرافق الخدمية ودورات المياه ، في صورة عكست اهتماما بكل تفصيل يمكن أن يجعل تجربة الزائر أكثر راحة وجودة.
ولذلك، لم يكن مستغربا أن يتحول الهيبودروم إلى حديث الجمهور منذ الليلة الأولى وأن يحظى بإشادة واسعة من آلاف الزوار الذين وجدوا فيه إضافة حقيقية للمهرجان ونقلة نوعية أعادت الحياة إلى مساحة أصبحت اليوم واحدة من أكثر محطات جرش استقطابا للجمهور.
ولم تتوقف الحكاية عند الهيبودروم فكل زاوية في جرش كانت تنبض بالحياة ، من المسرح الجنوبي الذي صدحت على خشبته أصوات كبار نجوم الغناء العربي إلى المسرح الشمالي ومعبد أرتميس وعروض الصوت والضوء التي تمزج التاريخ بالتقنيات الحديثة مرورا بالساحة البيضاوية التي احتضنت الحرفيين وأصحاب الصناعات التقليدية وصولًا إلى الساحة الرئيسية التي تحولت يوميا إلى نقطة التقاء للآلاف من الزوار في مشهد يجسد روح المهرجان و منطقة السفارات التي جعلت الثقافات في مكان واحد.
لقد أثبتت الدورة الأربعون أن مهرجان جرش لم يعد مجرد سلسلة من الحفلات والعروض، وإنما تجربة ثقافية وسياحية وإنسانية متكاملة يخرج منها الزائر وهو يحمل أكثر من ذكرى وأكثر من حكاية وأكثر من سبب يدفعه للعودة من جديد، وعندما تنتهي الأمسية وتُطفأ الأضواء يبقى في الذاكرة شيء لا يمكن وصفه بسهولة مثل شعور بأن جرش لم تحتفل بعامها الأربعين فقط وإنما كتبت فصلا جديدا في تاريخها، فصلا يؤكد أن الإرث الحقيقي لا يبقى حيا إلا عندما يتجدد وأن الأجيال لا تلتقي صدفة بل يجمعها مشروع يؤمن بالثقافة ويستثمر في الإنسان ويجعل من كل دورة خطوة إلى الأمام.
وهكذا، لم تكن الدورة الأربعون مجرد محطة جديدة في مسيرة مهرجان جرش وإنما كانت رسالة واضحة بأن النجاح يولد من الرؤية ويكبر بالعمل ويترسخ بثقة الجمهور ليبقى مهرجان جرش عنوانا لثقافة تتجدد وإبداع لا ينطفئ "وإرث يمتد... وأجيال تلتقي".