الأردن والدولة الوطنية... الانتقال من الانتماء الى الشراكة
عمر كلاب
هل يكفي أن تنجح الدولة في البقاء حتى نقول إن مشروعها الوطني قد اكتمل؟ قد يبدو السؤال غريبًا في الأردن، بل وربما مستفزًا, فالدولة الأردنية ليست كيانًا يبحث عن شرعية، ولا دولة ما زالت تختبر قدرتها على الاستمرار, لقد دخلت مئويتها الثانية بعد أن نجحت في بناء مؤسساتها، وحافظت على استقرارها، وعبرت حروبًا وأزمات إقليمية كبرى، بينما انهارت دول كانت تبدو أكثر قوة.
لكن التاريخ لا يكتفي بسؤال: هل بقيت الدولة؟ بل يطرح سؤالًا آخر أكثر عمقًا: ماذا فعلت الدولة بعد أن ضمنت بقاءها؟ هنا يبدأ النقاش الذي يستحق أن نخوضه, لقد كان القرن الأول من عمر الدولة الأردنية قرن التأسيس والصمود, فرضت الجغرافيا، وفرض الإقليم، وفرضت القضية الفلسطينية وما تبعها من تحولات كبرى، أن تكون الأولوية حماية الدولة والحفاظ على تماسك مؤسساتها, وكان ذلك إنجازًا وطنيًا لا يمكن التقليل من قيمته.
غير أن نجاح الدولة في حماية وجودها لا يعني أن مشروعها الوطني قد اكتمل, فالاستقرار، على أهميته، ليس غاية الدولة، بل شرط غايتها, إنه الأرض الصلبة التي يقف عليها المشروع الوطني، لا المشروع نفسه, والدول التي تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهاية الطريق، تخاطر بأن يتحول نجاحها إلى حالة من الاكتفاء، بينما الدول الحية تجعل من كل إنجاز بداية لسؤال جديد.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأردن في مئويته الثانية ليس: كيف نحافظ على الدولة؟ بل: كيف نعمقها؟ فالدولة لا تكبر فقط بمؤسساتها، بل أيضًا بحضورها في وجدان مواطنيها, ولا يقاس نجاحها بعدد القوانين التي تصدرها، أو بالمباني التي تشيدها، أو حتى بقدرتها على إدارة الأزمات، بل بقدرتها على بناء الثقة، وتعميق المواطنة، وإقناع كل جيل بأن مستقبله الشخصي جزء من مستقبل الدولة.
ومن هنا، فإن من المشروع أن نسأل بهدوء: ماذا تقول لنا مؤشرات تراجع المشاركة العامة، واتساع العزوف عن الانخراط في الشأن العام؟ هل هي مجرد ظاهرة سياسية عابرة، أم أنها تستحق قراءة أعمق في سياق العلاقة بين المواطن والدولة؟
لا توجد إجابة واحدة، ولا يجوز اختزال الظاهرة في سبب واحد, لكن المؤكد أن الدولة الوطنية لا تكتفي بأن تكون مستقرة، بل تحتاج إلى مواطن يشعر أن مشاركته تحدث فرقًا، وأن صوته جزء من بناء المستقبل، لا مجرد تعليق عليه.
ولهذا، ربما لا تكون المعارضة هي ما ينبغي أن يقلق الدول الواثقة بنفسها، بقدر ما ينبغي أن يقلقها تراجع الاهتمام بالشأن العام, فالمعارضة، في جوهرها، تعني أن المواطن ما زال يرى أن الدولة تستحق النقاش، وأنه ما زال يؤمن بإمكان التأثير فيها, أما اللامبالاة، فإنها تستحق التوقف عندها، لأنها قد تكون مؤشرًا على أن العلاقة بين الدولة والمجتمع تحتاج إلى تجديد، وأن أدوات بناء الثقة لم تعد هي ذاتها التي نجحت قبل عقود, ولعلي لا اغالي ان قلت ان اللامبالاة تطغى بشدة ليس في نتائج استطلاعات الرأي التي تحدثت عن لغز غياب الثلثين فقط, بل في مسلكيات بسيطة نراها كل يوم في الشوارع وعلى الارصفة وعلى مواقع النشاط الاجتماعي.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي للمئوية الثانية, فالانتقال من بناء الدولة إلى تعميق الدولة لا يعني إعادة تأسيس المؤسسات، بل إعادة إنتاج الفكرة التي قامت عليها, فكرة أن الدولة ليست جهة تقدم الخدمات فحسب، ولا إطارًا قانونيًا ينظم الحياة العامة فقط، بل مشروع وطني جامع، يشعر فيه كل مواطن أنه شريك في المسؤولية، كما هو شريك في الحقوق.
إن الدول لا تدخل قرنها الثاني بالأدوات نفسها التي بنت بها قرنها الأول, فلكل مرحلة أسئلتها، ولكل جيل تطلعاته، وأخطر ما يمكن أن يصيب أي تجربة ناجحة أن تظن أن نجاح الأمس يكفي للإجابة عن أسئلة الغد.
الأردن لا يحتاج اليوم إلى أن يثبت أنه دولة؛ فقد حسم التاريخ هذا السؤال منذ زمن, لكنه يحتاج إلى أن يطرح على نفسه، بثقة لا بخوف، سؤالًا آخر: هل نريد في المئوية الثانية أن نكتفي بإدارة الدولة؟ أم أن الوقت قد حان لتعميقها؟ هل نحن امام دولة ادارية ام دولة وطنية ؟
ذلك أن الدول التي تصنع التاريخ ليست فقط تلك التي تنجح في البقاء، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتراجع نفسها وهي في لحظة القوة، وتدرك أن أعظم إنجاز للدولة ليس أن يحتمي المواطن بها عند الأزمات، بل أن يرى فيها، كل يوم، مشروعه المشترك ومستقبله.