سبل استفزاز العقل العربي
د. جورج الفار
لتحريك العقل العربي واستفزازه وإيقاظه من نومه الطويل هناك عدة طرق ووسائل، أهمها "التنوير" وكلمة تنوير أتت من كلمة نور.
فإشعال النور في غرفة النائم المعتمة من أسرع الطرق للإيقاظ؛ فالعيون التي غاب عنها النور طويلاً تشعر بالنعاس الشديد، لذا يعمل النور على فتح العيون التي اعتادت الهرب من الواقع لترى ما حولها من أثاث وحياة وأحداث.
لم يعرف الوطن العربي الحديث التنوير الحقيقي والعلمي إلى الآن، فلم تقم ثورة علمية حقيقية وكبرى في تاريخه الحديث كالتي حدثت في أوروبا بين القرن السادس عشر والسابع عشر بل اكتفى بعض رواد النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر بالتنوير الأدبي والإصلاح اللغوي في لبنان مثل بطرس البستاني وابراهيم وناصيف اليازجي وأحمد فارس الشدياق وجرب بعضهم إصلاح ديني خجول في مصر مثل جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وغيرهم، كما نادى كل من فرح انطون وشبلي الشميل في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بإصلاح سياسي قائم على علمانية الدولة وديمقراطيتها.
هذه المحاولات الخجولة من قبل نخب عربية قليلة العدد معزولة عن الجماهير الأمية التي لم تكن تعرف القراءة أو الكتابة صدمت رجال الدين الذين حاربوها بشراسة وقوة بحيث لم تترك أثرا على أرض الواقع.
التنوير بتعريف من الفيلسوف الألماني كانط -الملقب أبو التنوير- هو: "الشجاعة أن تفكر بعقلك وأن تقرر لنفسك لا أن تدع الآخرين يقررون عنك".
فكم من العقول العربية امتلكت وتمتلك إلى الآن تلك الشجاعة في التفكير بنفسها وفي تقرير مصيرها وأخذ حياتها بأيديها؟
نخلص إلى نتيجة مهمة، وهي أن التنوير لم يصل حقيقة إلى الوطن العربي، لأن العرب لم يستطيعوا التفكير لأنفسهم وبأنفسهم ولم يمتلكوا منهجا علميا ولم يحدثوا في بلادهم ثورة علمية حديثة تواكب ما قام به العالم من اكتشافات واختراعات علمية خدمت الإنسانية كافة، بالتالي لم يتملكوا الأسلوب ولا المنهج العلمي في التفكير والتصرف والإدارة والحاكمية، ليس لنقص عضوي في العقل العربي بل للظروف التي احاطت به ومنعته من التفكير والإنجاز ومواكبة العلوم الحديثة.
إذا كان عصر التنوير في أوروبا هو بحق "عصر العقل والعقلانية" فلم نصل بعد في الوطن العربي إلى مثل هذا العصر تحديدا بل ما زلنا متأخرين عنه قرابة قرنيين أو أكثر من الزمن، وما نشاهده من عناصر تحديث ومن حداثة في المباني والطرق والسيارات والطائرات والتكنولوجيا في الوطن العربي ما هي إلا حداثة مستوردة للاستهلاك وليس للابتكار؛ فنحن لم نصنّعها بل نحن من يستخدمها ويستهلك مظاهرها فقط. فلم نصنع إلى الان في طول الوطن العربي وعرضه " ماتوراً" واحدا مع كثرة عدد المهندسين في اوطاننا، أنما استوردناه واستعملناه واستهلكناه.
العلم نور والتنوير هو إشعاع العلم من داخل العقول لتنير دروب الأوطان ولتصل بها إلى مصاف الدول المتقدمة.