ماجدة الرومي.. صوتٌ يكتب تاريخًا من النبل والجمال

بورتريه 

كتب فايز الشاقلدي

ليس كل صوتٍ يُغنّي يترك أثرًا، وليس كل فنانٍ ينجح في أن يتحول إلى ذاكرة أمة. وحدها الأصوات التي تحمل صدقًا استثنائيًا، وتؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة، تستطيع أن تبقى حيّة في وجدان الناس مهما تعاقبت الأجيال. ومن بين تلك الأصوات، تبرز الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي كواحدة من أبرز القامات الفنية العربية، التي جعلت من الغناء لغةً للجمال، ومن الكلمة رسالةً للسلام، ومن المسرح مساحةً للثقافة والرقي.

.

عندما تُذكر ماجدة الرومي، لا يحضر اسم مطربة فحسب، بل تحضر تجربة إنسانية وفنية متكاملة، صنعت لنفسها مكانة استثنائية بين كبار الفنانين العرب، حتى أصبحت إحدى أبرز أيقونات الغناء الراقي في العالم العربي. فمنذ أكثر من أربعة عقود، وهي تحافظ على صورة الفنانة التي لا تساوم على مبادئها الفنية، ولا تنجرف وراء موجات السوق أو متطلبات الموضة، بل تؤمن بأن الفن الحقيقي يعيش أطول من صاحبه، وأن الأغنية الجميلة قادرة على عبور الزمن كما تعبر القصائد الخالدة.

ولدت ماجدة حليم الرومي في مدينة كفرشيما اللبنانية عام 1956، في بيتٍ كان الفن جزءًا من تفاصيله اليومية. فهي ابنة الموسيقار اللبناني الشهير حليم الرومي، أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في اكتشاف وتقديم العديد من نجوم الغناء العربي. وفي هذا المناخ الموسيقي، تشكلت شخصيتها الفنية مبكرًا، فكبرت وهي تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية الشرقية والغربية، وتتذوق الشعر العربي، وتنهل من الثقافة والأدب.

ورغم هذا الإرث الفني الكبير، لم تعتمد على اسم والدها ليشق لها الطريق، بل اختارت أن تثبت موهبتها بنفسها. وكانت انطلاقتها الحقيقية عام 1974 عبر برنامج "استوديو الفن"، حيث لفتت الأنظار بصوتها المختلف وحضورها الهادئ، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من النجاح، رسمتها بخطوات ثابتة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.

منذ بداياتها، أدركت ماجدة الرومي أن الأغنية ليست مجرد لحن جميل، بل مشروع ثقافي متكامل. لذلك، حرصت على اختيار النصوص التي تحمل قيمة أدبية وإنسانية، وغنت لكبار الشعراء العرب، وفي مقدمتهم الشاعر السوري نزار قباني، الذي وجدت في كلماته مساحة واسعة للتعبير عن المرأة والإنسان والوطن. وتحولت أغنيات مثل "كلمات" و"اعتزلت الغرام" و"بيروت ست الدنيا" إلى أعمال خالدة، لا تزال تتردد في المسارح والبيوت العربية حتى اليوم.

امتلكت الرومي صوتًا استثنائيًا يجمع بين القوة والرقة، بين الطابع الأوبرالي والروح الشرقية الأصيلة. لم يكن صوتها مجرد وسيلة للأداء، بل كان أداة للتعبير العاطفي والفكري، قادرة على الانتقال بسلاسة بين المقامات الموسيقية المختلفة، مع قدرة نادرة على التحكم في الأداء والإحساس. ولهذا السبب، كثيرًا ما شبّهها النقاد بالمطربات الكلاسيكيات اللواتي جعلْنَ من الغناء فنًا راقيًا لا مجرد وسيلة للترفيه.

لكن ما يميز ماجدة الرومي أكثر من صوتها، هو شخصيتها الإنسانية. فمنذ سنوات طويلة، ارتبط اسمها بالعديد من المبادرات الخيرية والإنسانية، وكرست جزءًا كبيرًا من نشاطها لدعم قضايا الأطفال والفقراء وضحايا الحروب. كما شاركت في حفلات خيرية داخل لبنان وخارجه، وسخّرت شهرتها لخدمة الإنسان قبل أي شيء آخر، مؤمنة بأن الفنان الحقيقي يجب أن يكون قريبًا من الناس، يشعر بآلامهم ويشاركهم آمالهم.

ولم تكن علاقتها بلبنان علاقة فنانة بوطنها فقط، بل كانت علاقة عشق وانتماء. فعلى الرغم من الحروب والأزمات والانقسامات التي عاشها بلدها، بقيت تغني للبنان بوصفه وطنًا للحياة والجمال، لا ساحة للصراعات. وكانت في كل إطلالة تؤكد أن الفن قادر على جمع ما تفرقه السياسة، وأن الموسيقى لغة عالمية تتجاوز الحدود والخلافات.

وعلى خشبات المسارح العالمية، حملت ماجدة الرومي صورة الفن العربي الراقي إلى أبرز العواصم، من باريس إلى لندن، ومن روما إلى نيويورك، حيث وقفت أمام آلاف الحضور، مقدمةً أعمالًا تمزج بين الأصالة العربية والبعد الإنساني العالمي. ولم يكن جمهورها مقتصرًا على العرب، بل استطاعت بصوتها وحضورها أن تكسب احترام جمهور متنوع الثقافات، ليصبح اسمها سفيرًا للفن العربي في المحافل الدولية.

تميزت الرومي أيضًا بحرصها على الابتعاد عن الاستعراض الإعلامي. فهي قليلة الظهور في البرامج التلفزيونية، ونادرة التصريحات الصحفية، وتفضل أن يكون حضورها الحقيقي من خلال أعمالها الفنية، لا عبر العناوين المثيرة أو الجدل الإعلامي. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز صورتها كفنانة تحترم جمهورها وتحترم نفسها، وهو ما جعلها تحظى بثقة كبيرة لدى مختلف الأجيال.

ولعل من أبرز سمات مسيرتها أنها لم تنجرف يومًا نحو الأغنية التجارية السريعة، رغم قدرتها على تحقيق انتشار أوسع لو فعلت ذلك. فقد بقيت متمسكة بمشروعها الفني القائم على الجودة، حتى وإن كان ذلك يعني إصدار عدد أقل من الأغنيات مقارنة بغيرها. بالنسبة لها، الجودة كانت دائمًا أهم من الكثرة، والبقاء أهم من الانتشار المؤقت.

كما لم تتردد في التعبير عن مواقفها الوطنية والإنسانية، سواء تجاه القضية الفلسطينية أو معاناة الشعوب العربية أو الدعوة إلى السلام. وكانت كلماتها في حفلاتها ومؤتمراتها الصحفية غالبًا ما تحمل رسائل تدعو إلى المحبة والتسامح ونبذ العنف، وهو ما منحها مكانة تتجاوز حدود الفن إلى الفضاء الثقافي والإنساني.

وفي حياتها الشخصية، حرصت على إبقاء خصوصيتها بعيدة عن الأضواء، فلم تسمح للإعلام بالتدخل في تفاصيل حياتها، وفضّلت أن يبقى الجمهور قريبًا من فنها لا من حياتها الخاصة. وربما كان هذا أحد أسباب استمرار هالتها الخاصة، إذ بقيت شخصيتها مرتبطة بالغموض الجميل والوقار، بعيدًا عن الاستهلاك الإعلامي.

ومع مرور السنوات، لم يتراجع بريق ماجدة الرومي، بل ازداد حضورها رسوخًا. فقد أصبحت بالنسبة لكثيرين رمزًا للفن النظيف، والصوت الذي حافظ على أصالته رغم التحولات الكبرى التي شهدتها صناعة الموسيقى العربية. وفي وقتٍ تبدلت فيه الأذواق بسرعة، بقيت أغنياتها حاضرة في المناسبات الوطنية والرسمية والثقافية، شاهدة على أن الأعمال الصادقة لا يطويها الزمن.

إن الحديث عن ماجدة الرومي ليس حديثًا عن مطربة ناجحة فحسب، بل عن مشروع ثقافي وإنساني متكامل، جمع بين الموهبة والثقافة والالتزام والأخلاق. فهي واحدة من آخر الأصوات العربية التي ما زالت تؤمن بأن الأغنية يمكن أن تكون قصيدة، وأن اللحن يمكن أن يكون رسالة، وأن الفنان الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهدات، بل بالأثر الذي يتركه في وجدان الناس.

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من العطاء، ما تزال ماجدة الرومي تقف على المسرح بالهيبة ذاتها، والصوت ذاته، والرسالة ذاتها. لم تتغير لأنها لم تكن يومًا أسيرة الموضة، بل كانت دائمًا ابنة الفن الأصيل، الذي لا يعرف تاريخ انتهاء الصلاحية.

ستبقى ماجدة الرومي واحدة من أهم الأصوات النسائية في تاريخ الموسيقى العربية، ليس لأنها غنت أجمل الأغنيات فحسب، بل لأنها جعلت من الفن موقفًا، ومن الكلمة مسؤولية، ومن الصوت جسرًا يعبر فوق الحروب والانقسامات نحو الإنسان.

ولهذا، فإن اسم ماجدة الرومي سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال، باعتباره عنوانًا للرقي، وصورةً للفنانة التي اختارت أن يكون المجد نتيجةً للإبداع، لا صنيعةً للضجيج، وأن يبقى صوتها، كما عرفه الجمهور العربي، صوتًا يشبه الضوء... هادئًا، نقيًا، وخالدًا.