كيف غيّر الأمير فيصل بن الحسين خريطة الإنجاز الأولمبي الأردني؟
23 عاماً من البناء الرياضي
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم تُصنع الإنجازات الرياضية الأردنية الكبرى بين ليلة وضحاها، ولم تكن منصات التتويج الأولمبية التي وقف عليها أبطال الأردن مجرد لحظات عابرة في تاريخ الرياضة الوطنية، بل جاءت تتويجًا لمسار طويل من التخطيط المؤسسي والاستثمار في الإنسان الرياضي، امتد لأكثر من عقدين، وشهد إعادة رسم ملامح الحركة الرياضية الأردنية وبين محطات هذا المسار، يبرز اسم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن الحسين بوصفه أحد أبرز القائمين على تطوير المنظومة الأولمبية الأردنية، في رحلة بدأت عام 2003 ولا تزال آثارها تتجسد في كل ميدالية يحققها الرياضي الأردني، وكل حضور دولي يرسخ اسم المملكة في المحافل الرياضية العالمية.
عندما انتُخب الأمير فيصل بن الحسين رئيسًا للجنة الأولمبية الأردنية عام 2003، كانت الرياضة الأردنية تبحث عن مشروع طويل الأمد يتجاوز فكرة المشاركة في البطولات إلى صناعة الإنجاز ومنذ ذلك الوقت، شرعت اللجنة الأولمبية في إعادة هيكلة عملها، ووضعت أسسًا جديدة لإدارة الاتحادات الرياضية، وتطوير الحوكمة، وتوسيع برامج إعداد الرياضيين، واستقطاب الكفاءات الفنية، وتبني التخطيط الاستراتيجي بدلاً من الحلول المؤقتة، في تحولٍ اعتبره كثيرون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في تاريخ الرياضة الأردنية.
ولم يقتصر اهتمام الأمير فيصل على تطوير الرياضة التنافسية، بل اتجه إلى توظيف الرياضة كوسيلة للتنمية الإنسانية وصناعة السلام. ففي عام 2007 أسس هيئة أجيال السلام(Generations For Peace)، التي يرأس مجلس إدارتها حتى اليوم، لتصبح واحدة من أبرز المبادرات الدولية التي تستخدم الرياضة والحوار والفنون وتمكين الشباب في تعزيز التماسك المجتمعي ومعالجة آثار النزاعات. وخلال أقل من عقدين توسعت الهيئة لتعمل في أكثر من 52 دولة حول العالم، ودربت ما يزيد على 30 ألف قائد شاب ومتطوع، فيما تجاوز عدد المستفيدين من برامجها 1.4 مليون شخص، كما أدرجت ضمن أفضل 200 منظمة غير ربحية عالميًا، وحصلت عام 2026 على جائزة "Count Jacques Rogge Prize" الدولية، لتسجل بذلك إنجازًا عالميًا جديدًا انطلق من العاصمة عمّان.
وشهد عام 2007 أيضًا تعزيز الحضور الأردني في المنظومة الرياضية الآسيوية، عندما أصبح الأمير فيصل عضوًا في المجلس الأولمبي الآسيوي، وتولى لاحقًا رئاسة لجنة "الرياضة من أجل السلام"، الأمر الذي منح الأردن دورًا أكثر تأثيرًا في رسم السياسات الرياضية على المستوى القاري، ورسخ حضوره في اللجان التنفيذية للمجلس الأولمبي الآسيوي.
وفي عام 2010 دخل الأردن مرحلة جديدة من الحضور الدولي بانتخاب الأمير فيصل عضوًا في اللجنة الأولمبية الدولية، وهي أعلى سلطة رياضية أولمبية في العالم، ما منح الرياضة الأردنية نافذة أوسع للمشاركة في صناعة القرار الرياضي الدولي، وعزز من مكانة المملكة داخل الأسرة الأولمبية العالمية.
غير أن المحطة التي بقيت راسخة في ذاكرة الأردنيين جاءت في صيف عام 2016، عندما رفع لاعب التايكواندو أحمد أبو غوش العلم الأردني عاليًا في دورة الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو، بعد إحرازه أول ميدالية أولمبية في تاريخ المملكة، وكانت ذهبية تاريخية فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الثقة بقدرة الرياضي الأردني على المنافسة في أعلى المستويات العالمية، ولم يكن ذلك الإنجاز معزولًا عن سنوات من الاستثمار في إعداد اللاعبين والاتحادات الوطنية.
ولم تتوقف مسيرة الإنجازات عند ريو ففي أولمبياد طوكيو 2020، التي أقيمت عام 2021 بسبب جائحة كورونا، حقق الأردن أفضل حصيلة أولمبية في تاريخه بإحراز صالح الشرباتي الميدالية الفضية في التايكواندو، وعبد الرحمن المصاطفة الميدالية البرونزية في الكاراتيه، ليرتفع رصيد المملكة إلى ثلاث ميداليات أولمبية تاريخية، بينها ذهبية وفضية وبرونزية، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ المشاركات الأردنية.
وفي موازاة الإنجازات الأولمبية واصلت اللجنة الأولمبية الأردنية بقيادة الأمير فيصل تطوير البنية المؤسسية للرياضة الوطنية، فأطلقت عام 2017 استراتيجية وطنية شاملة هدفت إلى الارتقاء بأداء الاتحادات الرياضية، وتحسين الإدارة الرياضية، وتطوير برامج اكتشاف المواهب، ورفع مشاركة المرأة والشباب في الرياضة، وتعزيز الثقافة الرياضية في المجتمع، وهي استراتيجية انعكست نتائجها تدريجيًا على مستوى المنتخبات الوطنية.
كما شهدت السنوات اللاحقة تجديد الثقة بالأمير فيصل رئيسًا للجنة الأولمبية الأردنية، حيث أعيد انتخابه عام 2022، ثم مرة أخرى في عام 2025، في تأكيد على استمرار المشروع الرياضي الذي تقوده اللجنة الأولمبية، وعلى الثقة التي تحظى بها قيادتها لدى الأسرة الرياضية الأردنية.
أما عام 2026، فكان عامًا حافلًا بمحطات جديدة؛ إذ أعيد انتخاب الأمير فيصل عضوًا في اللجنة الأولمبية الدولية لولاية جديدة تمتد ثماني سنوات، كما واصلت الرياضة الأردنية حصد النتائج الإيجابية، حيث حققت البعثة الأردنية 13 ميدالية في دورة الألعاب الآسيوية للشباب في البحرين، بواقع ذهبيتين وفضيتين وتسع برونزيات، ثم أضافت 16 ميدالية أخرى في دورة ألعاب التضامن الإسلامي، منها ثلاث ذهبيات وثلاث فضيات وعشر برونزيات، ليبلغ مجموع الميداليات الأردنية في البطولتين 29ميدالية، في حصيلة تعكس استمرارية العمل على إعداد الأجيال الجديدة من الرياضيين.
وخلال حفل تكريم أصحاب هذه الإنجازات، أكدت الأمين العام للجنة الأولمبية الأردنية، رنا السعيد، أن التطور الذي تشهده الرياضة الأردنية يعكس حجم العمل المؤسسي والدعم الذي تحظى به المنظومة الرياضية، مشيرة إلى أن الإنجازات الأخيرة جاءت نتيجة جهود متراكمة شارك فيها اللاعبون والأجهزة الفنية والإدارية والاتحادات الرياضية، كما عبّر عدد من الرياضيين المكرمين عن تقديرهم لاستمرار دعم اللجنة الأولمبية، مؤكدين أن هذا الدعم وفر بيئة أكثر استقرارًا للاستعداد للمنافسات القارية والدولية، وأسهم في رفع العلم الأردني على منصات التتويج.
وعلى امتداد أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، لم تُقاس مسيرة الأمير فيصل بن الحسين بعدد المناصب التي شغلها، بقدر ما ارتبطت بما تحقق على أرض الواقع؛ من بناء مؤسسات رياضية أكثر احترافية، وتوسيع الحضور الأردني في المؤسسات الرياضية الدولية، وإطلاق مبادرات إنسانية عالمية مثل "أجيال السلام"، وصولًا إلى كتابة صفحات جديدة في سجل الإنجازات الأولمبية الأردنية وبين أول ذهبية أولمبية في تاريخ المملكة، وعشرات الميداليات القارية والدولية التي تلتها، تبدو رحلة الرياضة الأردنية خلال العقدين الماضيين قصة تطور مؤسسي مستمر، ما تزال فصولها تُكتب في كل بطولة يشارك فيها أبطال الأردن وهم يحملون طموحًا أكبر، وخبرةً أعمق، وحضورًا أكثر رسوخًا على الساحة الرياضية العالمية