سيكولوجية غطرسة النفس البشرية: الأفعى المغرورة!
فارس قاقيش
دنفر، الولايات المتحدة
دخلت الأفعى الورشة وهي تظن أن القوة تمنحها حق امتلاك كل شيء. كانت تحمل السم في أنيابها، والغطرسة في رأسها، وتعتقد أن لا شيء في الورشة يستطيع أن يقف في وجهها.
وبينما كانت تزحف، خدشها منشار حاد الأطراف خدشًا بسيطا. لم يكن جرحًا قاتلًا، لكنه كان كافيًا ليجرح كبرياءها.
لم تحتمل الأفعى أن يلامسها أو يأذيها شيء وضيع ما، كالمنشار، فاستشاطت غضبًا. فهمت بعض المنشار، فلم ينزف إلا فمها. فجن جنونها، فالتفّت حوله بكل ما أوتيت من قوة، تعصره بعنف كي تكسر هيبته فارتفعت أصوات المعركة، وتبعثرت محتويات الورشة، وأغرقتها بالدمار.
وعندما هدأ الغبار، كان المنشار ما يزال في مكانه... أما الأفعى فقد كانت هي التي تنزف، وقد مزقت جسدها بكبريائها.
لم تدرك الأفعى أن بعض الجروح لا تُشفى بمزيد من العنف، وأن الانتقام الأعمى قد يحوّل المنتصر عسكريًا إلى خاسر أخلاقيًا.
وربما كانت أكبر أخطائها أنها ظنت أن تدمير الورشة سيجعل العالم يصفق لها، فإذا بالعالم يلتفت إليها، لا إعجابًا بقوتها، بل صدمةً من حجم الخراب الذي خلّفته، وجنون عظمتها الذي أطيح به.
فليست كل قوةٍ نصرًا مؤكدا، وليست كل حربٍ انتصارًا مؤزرا للقوي، فأحيانًا يبدأ السقوط من لحظة يظن فيها الأقوى أن بإمكانه سحق كل شيء... ثم يكتشف أن أول ضحاياه كانت هيبته أمام العالم.
سيكولوجية غطرسة النفس البشرية
هي حكاية ليست عن أفعى ومنشار، بل عن آلية انفعال نفسية تتكرر في الأفراد والدول والإمبراطوريات. إنها سيكولوجية الغطرسة؛ حين تتحول القوة المنفعلة من وسيلةٍ للحماية إلى فشل للهيمنة، ويصبح جرح الكبرياء أكثر حساسية من الحقيقة نفسها.
فالإنسان المتغطرس لا يرى في أي اعتراض مجرد اختلاف، بل إهانةً لذاته. ولا يفرّق بين خدشٍ في كبريائه وخطرٍ حقيقي على وجوده. لذلك تكون استجابته دائمًا أكبر من الحدث، لأن الذي ينزف ليس جسده، بل صورته عن نفسه وهيبته أمام العالم.
ومن هنا يبدأ الانهيار. فكلما بالغ الانسان في استخدام القوة، ازداد اقتناعًا بأنه على حق، وكلما ازداد اقتناعًا بذلك، ضاقت قدرته على رؤية النتائج. فما يلبث أن يتوهم أن الخراب الذي يصنعه سيزرع الخوف، بينما قد يزرع الرفض بالمقابل، وأن العنف سيمنحه الهيبة، بينما في الحقيقة فهو يسلبه الشرعية.
إن الغطرسة لا تعني الثقة بالنفس، بل هي عجز عن رؤية الحدود والقدرات. إنها الحالة التي يصدق فيها الإنسان أنه فوق النقد، وفوق القانون، وحتى فوق الأخلاق. وعندها تصبح كل ضربة يوجهها إلى الآخرين ضربةً جديدة يوجهها إلى هيبته هو.
ولذلك يخبرنا التاريخ أن كثيرًا من القوى لم تبدأ بالسقوط عندما ضعفت، بل عندما شعرت بأنها أصبحت أقوى من أن تخطئ أو تنهزم. فالذي أسقطها لم يكن نقص في السلاح، بل فائض في الغرور.
والغريب أن الغطرسة نادرًا ما تتعلم من الألم والخيبة. فهي إذا أخطأت، ألقت اللوم على الآخرين. وإذا خسرت، ادعت أنها انتصرت. وإذا نبّهها العالم إلى الكارثة التي صنعتها، ظنت أن المشكلة في العالم، لا في نفسها. وهكذا تدخل في حلقة مفرغة من العنف، لأن الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة ومقدرة، بينما الغطرسة لا تعرف إلا المكابرة والمغالاة.
ولعل أعظم درسٍ في هذه الحكاية أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تُلغي قوانين النفس البشرية وكبريائها. أنظروا كيف رفض لاعب الفريق الاسباني الفائز بكأس العالم يمال مصافحة الرئيس ترامب، رغم صغر سنه ومكانته نسبة للرئيس، فالعزة والكرامة لا تحتاج إلى سلاح، ومن يعجز عن كبح غروره، قد يهزم خصومه في الميدان، لكنه يخسر نفسه في التاريخ ولن يستطيع كسر ارادتهم.
فالأفعى لم يهزمها المنشار... بل هزمها غرورها. وفي ذلك تكمن المأساة الكبرى للنفس البشرية: فإن أخطر أعدائها ليس دائمًا من يقف أمامها، بل من يسكن داخلها ...ومن ثم من يقف في مواجهتها بالإرادة الصلبة والكبرياء العصيّ، فلا تنحني هامته مهما اشتدت العواصف وتراكمت النوائب.