90 نائبًا يفتتحون معركة "الإدارة المحلية".. والبرلمان يضع حزمة الإصلاحات الحكومية تحت مجهر اللجان
مشروع الإدارة المحلية يقود أجندة البرلمان
الأنباط_ فايز الشاقلدي
مع انطلاق الدورة الاستثنائية لمجلس الأمة، بدا واضحًا أن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 سيكون عنوان المرحلة التشريعية المقبلة، بعدما استحوذ على النصيب الأكبر من اهتمام مجلس النواب، وشهد واحدة من أوسع المناقشات البرلمانية خلال القراءة الأولية، شارك فيها تسعون نائبًا، قبل أن يوافق المجلس بالأغلبية على تحويله إلى اللجنة الإدارية النيابية لاستكمال دراسته وإجراء المراجعات اللازمة عليه.
الجلسة التي عقدها المجلس برئاسة رئيسه مازن القاضي، وبحضور رئيس الوزراء جعفر حسان وعدد من أعضاء الفريق الحكومي، لم تقتصر على مشروع الإدارة المحلية، بل شملت أيضًا إحالة مشاريع قوانين معدلة تتعلق بالجامعات الأردنية، وإلغاء قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية، وتنظيم العمل المهني، وهيئة الاعتماد وضمان الجودة إلى اللجان المختصة، في إطار حزمة تشريعية واسعة جاءت تنفيذًا للإرادة الملكية السامية الصادرة في الثامن والعشرين من حزيران الماضي، والتي دعت مجلس الأمة إلى الاجتماع في دورة استثنائية اعتبارًا من الثاني عشر من تموز لإقرار مجموعة من القوانين المرتبطة بمسارات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي.
نقاش نيابي واسع... بين التأييد والتحفظ
القراءة الأولية لمشروع قانون الإدارة المحلية عكست اهتمامًا نيابيًا غير مسبوق، إذ اتفق غالبية النواب على أن مراجعة منظومة الإدارة المحلية أصبحت ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، في ظل الحاجة إلى إعادة تعريف المسؤوليات بين المؤسسات المحلية، وتوسيع الصلاحيات، ورفع كفاءة اتخاذ القرار بما يمكّن البلديات والمجالس المحلية من الاستجابة بصورة أفضل لاحتياجات المواطنين وتحقيق التنمية في المحافظات.
وأكد النواب أن إحالة المشروع إلى اللجنة الإدارية لا تعني الاكتفاء بما ورد فيه، وإنما تمثل بداية مرحلة أكثر عمقًا لمناقشة تفاصيله، بهدف تطوير النصوص المتعلقة بتحديد الصلاحيات، وتعزيز الدور التنموي للمجالس المحلية، وتوفير الأدوات التنفيذية التي تضمن نجاح الخطط والمشاريع، معتبرين أن نجاح القانون لن يقاس بالشكل الإداري الجديد أو بعدد مواده، وإنما بقدرته على تحسين الخدمات العامة، وتسريع تنفيذ المشاريع، وتعزيز الاستثمار المحلي، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية في مختلف المحافظات.
وفي المقابل، لم يخلُ النقاش من مواقف معارضة، إذ طالب عدد من النواب برد المشروع بصيغته الحالية وإعادته للحكومة لإعادة دراسته، معتبرين أن بعض أحكامه تحتاج إلى مراجعة أشمل قبل المضي في مناقشته، إلا أن هذا الطرح لم يحظَ بتأييد أغلبية أعضاء المجلس، ليُرفض المقترح ويُحال المشروع إلى اللجنة الإدارية لمواصلة بحثه.
إعادة رسم العلاقة بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي
يحمل مشروع القانون تغييرات جوهرية في فلسفة الإدارة المحلية، إذ يركز على تعزيز الحوكمة وربط العمل البلدي بالتنمية الاقتصادية، إلى جانب توسيع المشاركة المجتمعية، وتعزيز المساءلة والرقابة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بما ينسجم مع رؤية الحكومة في تحويل البلديات من مؤسسات خدمية تقليدية إلى مؤسسات تنموية واستثمارية تعتمد على التخطيط الاستراتيجي وتحفيز الاقتصاد المحلي.
ومن أبرز التحولات التي يتضمنها المشروع إعادة توزيع الأدوار بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي، بحيث يتولى المجلس وضع السياسات والاستراتيجيات واتخاذ القرارات والرقابة على تنفيذها، بينما يتولى الجهاز التنفيذي والإداري إعداد الخطط وتنفيذها، في محاولة لإنهاء حالة التداخل في الصلاحيات التي رافقت عمل البلديات خلال السنوات الماضية، وتعزيز المساءلة والوضوح في المسؤوليات.
كما حافظ المشروع على المسار الديمقراطي الذي أقرته وثيقة تحديث المنظومة السياسية، من خلال الإبقاء على انتخاب رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي انتخابًا مباشرًا وسريًا بورقتين منفصلتين، مع إدخال إجراءات تستهدف تعزيز نزاهة العملية الانتخابية.
وفي الوقت ذاته، عزز المشروع دور الإدارة التنفيذية من خلال تمكينها من إعداد وتنفيذ الخطط الاستراتيجية والتنموية والخدمية، ورفعها إلى المجلس البلدي لمناقشتها وإقرارها ومتابعة تنفيذها، مع الإبقاء على إلزامية تعيين مدير تنفيذي للبلدية يقود الجهاز الإداري والتنفيذي، بما يرفع كفاءة العمل البلدي ويعزز التحول الرقمي والأتمتة، على أن تنظم شروط تعيينه وصلاحياته بموجب نظام خاص يصدر لهذه الغاية.
كما وسع المشروع صلاحيات رئيس البلدية، ومنحه دورًا أكبر في متابعة المشاريع المتعثرة، وتحسين جودة الخدمات، والتنسيق مع الجهات الرسمية والخدمية والمجتمع المحلي، دون المساس بصلاحيات المجلس البلدي أو الجهاز التنفيذي.
تطوير مجالس المحافظات وتعزيز الشفافية
ولم تقتصر التعديلات على البلديات، بل امتدت إلى مجالس المحافظات، حيث يقترح المشروع إعادة تشكيلها بحيث تضم ممثلين منتخبين عن الهيئات المنتخبة على مستوى المحافظة، بما في ذلك ممثلو النقابات واتحادات المرأة والمزارعين وغرف التجارة والصناعة وغيرها، لتتحول إلى منصة للتخطيط التنموي والاستثماري بما يتوافق مع دليل الاحتياجات والمعايير الوطنية والدولية لتقديم الخدمات، مع النص على أن يكون نائب رئيس مجلس المحافظة امرأة.
وفي جانب الحوكمة، يلزم المشروع الإدارة التنفيذية بتقديم تقارير شهرية وربعية إلى المجلس البلدي حول الأداء المالي والإداري وسير تنفيذ المشاريع، إضافة إلى توضيح العقبات التي تعترض التنفيذ، كما يفرض نشر تقارير الأداء بصورة دورية على المواقع الإلكترونية والمنصات الرسمية للبلديات، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية وترسيخ ثقة المواطنين.
وتؤكد الحكومة أن مشروع القانون جاء بعد سلسلة طويلة من الحوارات مع الكتل النيابية وأعضاء مجلسي النواب والأعيان، ووزراء البلديات السابقين، والخبراء والمختصين، إضافة إلى الاستفادة من نتائج الدراسات واستطلاعات الرأي، وأنها ستعمل بعد إقراره بصيغته النهائية على تعديل أكثر من عشرين نظامًا مرتبطًا به لضمان التطبيق الفعلي لمنظومة الإدارة المحلية الجديدة.
تعديلات على الجامعات لتعزيز الحوكمة
وفي ملف التعليم العالي، وافق مجلس النواب على إحالة مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية إلى لجنة التربية والتعليم النيابية، في خطوة تهدف إلى مواءمة التشريعات مع استحداث وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، التي أصبحت الخلف القانوني لوزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي.
ويمنح المشروع أهمية خاصة لإعادة هيكلة مجالس الأمناء، من خلال تخفيض عدد أعضائها إلى تسعة أعضاء، بما يعزز سرعة اتخاذ القرار ويرفع كفاءة الحوكمة، كما يعدل آلية اختيار رؤساء الجامعات الرسمية، بحيث يوصي مجلس الأمناء باسم الرئيس، قبل أن يرفع مجلس التعليم التنسيب إلى رئيس الوزراء، فيما تبقى آلية تعيين رؤساء الجامعات الخاصة دون تغيير، حيث يستمر مجلس الأمناء بالتنسيب ويصدر مجلس التعليم قرار التعيين.
كما يوسع المشروع نطاق تطبيق القانون ليشمل الكليات الجامعية والكليات المتوسطة، بما يعزز دورها في إعداد الكفاءات التقنية والمهنية وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، انسجامًا مع توجهات تحديث القطاع العام وأفضل الممارسات الدولية.
دمج المؤسستين الاستهلاكيتين تحت مظلة واحدة
وفي الجانب الاقتصادي، أحال المجلس مشروع قانون إلغاء قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية إلى لجنة الاقتصاد والاستثمار، في إطار توجه حكومي لدمج المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية ضمن مؤسسة واحدة، بهدف توحيد الإمكانات اللوجستية والإدارية، ورفع كفاءة عمليات الشراء والتخزين والتوزيع، وتعزيز القدرة على توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة وجودة مرتفعة.
وتؤكد الحكومة أن المشروع يحافظ على جميع الحقوق الوظيفية والمالية للعاملين، ويضمن انتقالهم إلى نظام العاملين المدنيين في المؤسسة الاستهلاكية العسكرية وفق أحكام نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، بما يحافظ على الخبرات المتراكمة ويعزز كفاءة الأداء المؤسسي، إلى جانب دعم منظومة الأمن الغذائي الوطني ورفع جاهزية المؤسسة الجديدة لمواجهة المتغيرات الاقتصادية.
تنظيم العمل المهني وربط التدريب بسوق العمل
كما أحال المجلس مشروع قانون تنظيم العمل المهني إلى لجنة العمل والتنمية الاجتماعية، وهو مشروع يهدف إلى إعادة تنظيم سوق العمل المهني والتقني من خلال اشتراط الحصول على شهادة مزاولة مهنة لخريجي مؤسسات التدريب المهني، وترخيص الجهات التي تقدم خدمات التدريب، واعتماد البرامج والمدربين، ومنح وزارة العمل صلاحيات أوسع في الرقابة والتنظيم والإشراف على الاختبارات المهنية وتصنيف المدربين، بما يضمن رفع جودة التدريب وربطه باحتياجات سوق العمل.
هيئة الاعتماد... صلاحيات أوسع ومنظومة جودة موحدة
وفي قطاع التعليم، وافق المجلس أيضًا على إحالة مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة إلى لجنة التربية والتعليم، حيث يهدف المشروع إلى توحيد المرجعية الوطنية لاعتماد وضمان جودة جميع مؤسسات التعليم، بدءًا من رياض الأطفال والمدارس الحكومية والخاصة، مرورًا بالجامعات، وانتهاءً بمؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني.
ويمنح المشروع الهيئة صلاحيات جديدة تشمل الاعتراف بالمؤسسات التعليمية غير الأردنية، ومعادلة الشهادات والمؤهلات، وتصديق الوثائق داخل المملكة وخارجها، بما يعزز موثوقية المؤهلات الأردنية، ويرفع تنافسية التعليم الوطني، ويعزز قدرة الجامعات والمؤسسات التعليمية على تحسين ترتيبها في التصنيفات العالمية، ويواكب مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي وخارطة طريق تحديث القطاع العام.
وبذلك، تبدو الدورة الاستثنائية الحالية أكثر من مجرد محطة لإقرار تشريعات جديدة، إذ تمثل بداية لإعادة صياغة عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الإدارة المحلية والتعليم والعمل، فيما تتجه الأنظار إلى اجتماعات اللجان النيابية التي ستشهد الاختبار الحقيقي لهذه المشاريع، حيث ينتظر أن تخضع لنقاشات تفصيلية وتعديلات قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة من مسار التحديث التشريعي في الأردن.