أعشاش برسم البيع
سعيد الصالحي
من حق الشجرة أن يقودها غصن، أو يحرسها جذر، أو تزينها ورقة، أو تمنحها ثمرة موسمًا من الفرح. أما أن يحكمها عصفور سرق عشًا على أحد أغصانها، فتلك بداية خرابها. تلك حكاية قديمة حدثت لشجرة قبل مئات السنين، لكن أحدًا لم يتعلم منها، فانتقلت من الأشجار إلى أعمدة الشوارع، ومن شرفات المنازل إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى الدول.
فالدخيل الذي يمتلك جناحين يستطيع بهما أن يحط على أي غصن ويغادره متى شاء، يملك ميزة لا يملكها الغصن، ولا الجذع، ولا الجذر. لذلك يسهل عليه أن يفرض رؤاه على الشجرة؛ فأصحابها يذهلهم خفة جناحيه، ورشاقة تنقله، وحكاياته عن الأشجار البعيدة التي لم يروها يومًا. وما هي إلا سنوات حتى يصدقوا أن الشجرة، من دون عشه الوثير، لن تقوى على مواجهة الريح والغبار، ولا حتى العصافير المحلية الجميلة. ثم تتكاثر الأعشاش، وتتبدل الأدوار، فلا يعود للشجرة عمل إلا حماية الأعشاش، وتوزيع النسمات العليلة والثمار الشهية على سكانها، بينما تقف أغصانها في طوابير الانتظار بحثًا عن موطئ قدم في ظلها.
وحاول دخلاء الشجرة إقناع أشجار الدنيا بأنهم أكثر رحمة من أوراقها، وأن الشجرة أصبحت قبلة للحياة الرغيدة، حتى صار إنجازها السنوي يُقاس، لا بعدد الثمار التي تطرحها، ولا بعدد المستظلين والمستجيرين بها، وإنما بعدد العصافير المستوطنة بين أغصانها. وصارت تتباهى بالأغصان المنكسرة التي لم تعد تقوى على حمل الأعشاش، وتفاخر بالأغصان اليابسة التي يحولها الرعاة إلى نايات تبكي زمنًا سبق الأعشاش.
وربما كان ذنب الشجرة الأكبر أنها ظنت أن حسن الضيافة يكفي لحماية البيت، وأن كل عصفور سيغادر حين يشبع من الظل. لكنها اكتشفت متأخرة أن بعض الأعشاش لا تُبنى طلبًا للأمان، بل طلبًا للسيطرة.
ومهما حاولت العصافير أن تكثر من الأعشاش، لم تتوقف الشجرة عن الحياة، ولا عن إنجاب أغصان خضراء تزداد صلابة مع الأيام. ولم تتأخر يومًا عن طرح ثمارها في مواسمها، كما لم تتوقف جذورها عن التوسع في أعماق الأرض. فالحياة لا تعرف الاستسلام، والشجرة الصادقة لا تُجبل عليه.
وحاولت العصافير أن تنقل أعشاشها إلى الشجيرات والأشجار المجاورة؛ فنجحت مرة، وأخفقت مرات. لكن الأشجار جميعها كانت قد حفظت حكاية الشجرة الطيبة التي استغلتها العصافير المهاجرة، وظنت، بكل غرور، أنها قادرة على تغيير لون أوراقها، أو ملامح جذعها، أو هوية جذورها.
وكل غصن يصحو مع كل صباح وهو يدرك أن زمن الأعشاش عابر، وأن النصر في النهاية ليس للعصفور، بل للشجرة. فكل عصافير الدنيا لا تستطيع أن تمنع غصنًا حيًا من أن يورق، ولا شجرةً عميقة الجذور من أن تستعيد نفسها، وحينها سيصبح كل عش قشة فوق غصن.