الذكاء الاصطناعي ... هل يحول الشباب الأردني إلى قوة اقتصادية؟
د. خالد العاص
يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه اليوم باعتباره أحد أبرز محركات الاقتصاد العالمي الجديد، إذ يعيد صياغة طبيعة الوظائف، وأساليب الإنتاج، ومفهوم المهارة، وآليات المنافسة. وفي ظل هذا التحول المتسارع، يجد الأردن نفسه أمام فرصة حقيقية للاستثمار في رأس ماله البشري، باعتباره المورد الأكثر أهمية في دولة تعتمد على الكفاءات أكثر من اعتمادها على الموارد الطبيعية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة للشباب الأردني، الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع، ويواجهون في الوقت ذاته تحديات تتعلق بارتفاع معدلات البطالة، وتغير متطلبات سوق العمل، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد الحديث. وهنا لا يبدو الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة، بل قد يتحول إلى أداة لإعادة رسم فرص العمل، إذا أُحسن استثماره ضمن سياسات وطنية واضحة.
فاليوم، لم تعد المعرفة حكراً على المؤسسات التعليمية التقليدية، إذ أتاحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي للشباب الوصول إلى مصادر تعلم متقدمة، وتطوير مهاراتهم في البرمجة، وتحليل البيانات، والتصميم، واللغات، والتسويق الرقمي، بكلفة أقل ومرونة أكبر. وهذا يفتح المجال أمام بناء كفاءات قادرة على المنافسة في سوق عمل لم تعد حدوده تقتصر على الجغرافيا المحلية، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الرقمي العالمي.
كما أن التحول الرقمي أوجد فرصاً جديدة لريادة الأعمال؛ فالكثير من المشاريع التي كانت تحتاج في السابق إلى رؤوس أموال كبيرة وفرق عمل متخصصة، أصبح بالإمكان إطلاقها اليوم بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعد في إعداد دراسات الجدوى، وتصميم الهوية المؤسسية، وإنتاج المحتوى، وتحليل الأسواق، وإدارة الحملات التسويقية، وخدمة العملاء. وهذا يمنح الشباب الأردني فرصة لتحويل الأفكار إلى مشاريع منتجة، بما ينسجم مع توجهات "رؤية التحديث الاقتصادي" التي تضع الابتكار والاقتصاد الرقمي في صلب عملية التنمية.
وفي المقابل، فإن هذا التحول يفرض تحديات لا تقل أهمية عن الفرص. فالعديد من الوظائف التقليدية مرشح لأن يتغير أو يختفي مع توسع الأتمتة، في حين سترتفع الحاجة إلى مهارات جديدة، وهذا يعني أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية، بل أصبح التعلم المستمر شرطاً أساسياً للحفاظ على القدرة التنافسية في سوق العمل.
كما يشكل الذكاء الاصطناعي تحدياً على "منظومة التعليم والتدريب في الأردن"، التي أصبحت مطالبة بالانتقال من التركيز على نقل المعرفة إلى بناء المهارات، وربط البرامج التعليمية باحتياجات الاقتصاد الرقمي، وتوسيع التدريب العملي في المجالات التقنية، بما يضمن إعداد خريجين قادرين على مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الأعمال.
ولا يقل دور القطاع الخاص أهمية عن ذلك؛ فاستقطاب الاستثمارات في الصناعات الرقمية، ودعم الشركات الناشئة، وتوفير بيئة تشجع الابتكار، كلها عوامل تسهم في خلق فرص عمل نوعية للشباب، وتمنح الاقتصاد الأردني قدرة أكبر على المنافسة في القطاعات القائمة على المعرفة.
خلاصة القول، فإن الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً للشباب الأردني، بقدر ما يمثل اختباراً لمدى قدرة الدولة ومؤسساتها التعليمية والاقتصادية على مواكبة التحول العالمي. فالمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكاً للتكنولوجيا فحسب، بل للأكثر قدرة على إعداد الإنسان القادر على توظيفها بكفاءة. وإذا نجح الأردن في الاستثمار في مهارات شبابه، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي من تحد يفرضه العصر إلى فرصة حقيقية لدعم النمو الاقتصادي، وتعزيز الابتكار، وبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية.