بيت أبو حسين يستقبل عقل الصمادي أول مريض توحد يجتاز الثانوية العامة... رسالة أمل
بيت أبو حسين يستقبل عقل الصمادي أول مريض توحد يجتاز الثانوية العامة... رسالة أمل
أ.د محمد الفرجات
لم يكن استقبال معالي رئيس الديوان الملكي الهاشمي، السيد يوسف حسن العيسوي، للشاب الأردني عقل عمر الصمادي، أحد أبناء الوطن المصابين باضطراب طيف التوحد، مجرد لقاء مع شاب حقق قصة نجاح مميزة، بل كان رسالة وطنية وإنسانية عميقة تؤكد أن بيت أبو حسين سيبقى قريبا من الإنسان الأردني، يحتفي بقصص الإرادة، ويمنحها ما تستحقه من اهتمام، ويبعث برسائل الأمل إلى آلاف الأسر التي تخوض بصمت رحلة طويلة مع أبنائها من ذوي الهمم.
فاللقاء لم يكن احتفاء بشخص واحد بقدر ما كان اعترافا بقيمة الصبر، وبأهمية الأسرة، وبحق كل إنسان في أن يجد فرصة ليكتشف قدراته ويحقق ذاته، مهما كانت التحديات التي يواجهها.
لقد أصبح اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشارا في العالم، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو طفل واحد من كل مائة طفل يشخّص بالتوحد، وهذا يعني أن آلاف الأسر الأردنية تعيش هذه التجربة بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعل التعامل مع التوحد قضية وطنية وصحية وتعليمية واجتماعية، وليست قضية تخص أسرة بعينها.
ورغم التقدم العلمي الكبير، لا يزال كثير من الناس يخلطون بين التوحد والإعاقة الذهنية أو المرض النفسي، بينما تؤكد الدراسات أن التوحد اضطراب في النمو العصبي يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي والسلوك، وتتفاوت شدته من شخص إلى آخر، ولذلك سُمي "طيف التوحد"، فكثير من المصابين يمتلكون قدرات استثنائية في الحفظ، أو التحليل، أو الموسيقى، أو البرمجة، أو الرياضيات، أو الفنون، إذا أتيحت لهم البيئة المناسبة لاكتشاف تلك القدرات وتنميتها.
وتؤكد الأبحاث الطبية أن التشخيص والتدخل المبكر يمثلان العامل الأكثر تأثيرًا في تحسين مهارات الطفل، وخاصة خلال السنوات الخمس الأولى من العمر، حيث تكون قدرة الدماغ على التعلم والتكيف في أعلى مستوياتها، ولذلك فإن تأخير التشخيص أو تجاهل الأعراض أو انتظار أن "يكبر الطفل ويتحسن وحده" قد يؤدي إلى ضياع سنوات ثمينة يصعب تعويضها لاحقًا.
لكن التحدي الأكبر في مجتمعاتنا لا يتمثل في التوحد نفسه، بل في ثقافة العيب التي ما تزال تدفع بعض الأسر إلى إخفاء أطفالها داخل المنازل، خوفًا من نظرة المجتمع أو من كلام الناس، فيُحرم الطفل من العلاج، ومن المدرسة، ومن الاختلاط بالآخرين، ومن فرص بناء شخصيته، بينما يكون الوقت يمر على حساب مستقبله.
وهنا يجب أن نقول بوضوح : إن التوحد ليس عيبًا، وليس عقابًا، وليس نتيجة خطأ ارتكبه الأبوان، كما أنه ليس مرضًا معديًا أو حالة ميؤوسًا منها، بل هو اضطراب يمكن التعايش معه، وتطوير قدرات المصاب به بصورة كبيرة عندما تتكامل جهود الأسرة والمدرسة والمختصين والمجتمع.
ومن المؤسف أن بعض الأسر لا تطلب المساعدة إلا بعد سنوات من ظهور الأعراض، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، في حين أن الدول المتقدمة تعمل على اكتشاف الحالات في عمر مبكر، وتبدأ برامج التأهيل مباشرة، لأن الاستثمار في الطفل منذ سنواته الأولى أقل كلفة وأكثر نجاحًا بكثير من معالجة آثار التأخير لاحقًا.
قصة انجاز عقل
فقصة الشاب عقل الصمادي هنا وبوصفها نموذجًا عمليًا وعالميا لما يمكن أن تصنعه الإرادة، فهذه القصة لم تبدأ بالنجاح، بل بدأت بالتحدي، ثم بالصبر، ثم بالإيمان، ثم بسنوات طويلة من التدريب والمتابعة اليومية والدعم الأسري والتضحية، حتى تمكن أن يكون أول أردني مصاب بالتوحد إستطاع اجتياز الثانوية العامة بنجاح، وأثبت أن كثيرًا من الحدود التي نضعها في أذهاننا ليست حدودًا حقيقية، وإنما هي نتاج اليأس أو قلة المعرفة.
إن الدرس الحقيقي في قصة عقل ليس أنه تغلب على التوحد، فالتوحد ليس مرضًا يختفي، وإنما الدرس أن الإنسان يستطيع أن يتغلب على آثاره، وأن يطور مهاراته، وأن يعيش حياة منتجة ومستقلة بقدر ما تسمح به قدراته، إذا وجد الأسرة الواعية، والتأهيل الصحيح، والفرصة العادلة.
كما أن هذه القصة تعيد التأكيد على أن الأسرة هي حجر الأساس في رحلة التأهيل، فالأطباء والأخصائيون يقدمون المعرفة والخبرة، لكن النجاح الحقيقي يُبنى داخل المنزل، بالصبر، والتدريب اليومي، والتشجيع، والإيمان بقدرات الابن أو الابنة، وعدم الاستسلام للإحباط أو المقارنات مع الآخرين.
ولعل الرسالة الأهم التي يحملها استقبال بيت أبو حسين لعقل الصمادي هي أن الدولة الأردنية تنظر إلى ذوي الهمم باعتبارهم جزءًا أصيلًا من المجتمع، يمتلكون حقوقًا وقدرات، وليسوا مجرد متلقين للرعاية، كما أن هذا الاهتمام يمنح آلاف الأسر جرعة أمل وثقة بأن أبناءها قادرون على الإنجاز، وأن المجتمع بدأ ينظر إليهم بعين الاحترام والتقدير لا بعين الشفقة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع برامج الكشف المبكر، وزيادة أعداد مراكز التأهيل في المحافظات، وتأهيل المعلمين، وتعزيز الدمج المدرسي، ودعم الأسر بالإرشاد والتدريب، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب من ذوي اضطراب طيف التوحد في التعليم الجامعي، والتدريب المهني، والعمل، والرياضة، والتقنية، والفنون، لأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحًا لأي وطن.
لقد حمل استقبال معالي يوسف العيسوي للشاب عقل الصمادي رسالة تتجاوز حدود اللقاء ذاته، مفادها أن الأمل يصنعه الإيمان بالإنسان، وأن قصة نجاح واحدة قادرة على تغيير نظرة مجتمع كامل، وإعطاء آلاف الآباء والأمهات القوة للاستمرار وعدم الاستسلام.
ويبقى الدرس الأجمل أن التوحد ليس نهاية الحياة، بل قد يكون بداية رحلة مختلفة، تحتاج إلى الصبر والعلم والمحبة، وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح المستحيل ممكنًا، وتتحول قصة طفل واحد إلى مصدر إلهام لوطن بأكمله.