الأردن في مؤشر الأداء البيئي العالمي 2026: قراءة في ضوء القانون الدولي البيئي
الأردن في مؤشر الأداء البيئي العالمي 2026: قراءة في ضوء القانون الدولي البيئي
بقلم: المحامي الدكتور علي سليم صالح الحموري
أستاذ مشارك في القانون الدولي العام – كلية الحقوق – جامعة العلوم التطبيقية الخاصة
رئيس جمعية استشراف المستقبل للحقوق البيئية والعدالة المناخية
إن حماية البيئة لم تعد خياراً سياسياً، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يحدد مكانة الدول في عالم يتسارع نحو الاستدامة.
يمثل تقدم الأردن (23) مرتبة في مؤشر الأداء البيئي العالمي (Environmental Performance Index – EPI) لعام 2026، واحتلاله المرتبة (54) من بين (177) دولة، إنجازاً وطنياً يعكس تطوراً ملحوظاً في الأداء البيئي ونتائج السياسات التي انتهجتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. ولا ينبغي النظر إلى هذا التقدم بوصفه مجرد تحسن في ترتيب دولي، بل باعتباره مؤشراً على تطور السياسات العامة وقدرة الدولة على تعزيز التزاماتها في مجالات حماية البيئة والعمل المناخي والتنمية المستدامة.
ويعد مؤشر الأداء البيئي العالمي، الصادر عن مركز ييل للقانون والسياسة البيئية بالتعاون مع شركاء أكاديميين، من أبرز المؤشرات الدولية التي تقيس أداء الدول في مجالات النظم الإيكولوجية، والعمل المناخي، والصحة البيئية وجودة الهواء. ويكتسب هذا الإنجاز أهمية إضافية بالنظر إلى ما يواجهه الأردن من تحديات بيئية تتمثل في شح الموارد المائية، والتغير المناخي، والتصحر، وتراجع التنوع الحيوي، والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية.
ومن منظور القانون الدولي البيئي، فإن هذا التقدم يعكس مساراً إيجابياً في تنفيذ الالتزامات الدولية التي أرستها الوثائق والاتفاقيات الدولية، بدءاً من إعلان ستوكهولم لعام 1972، وإعلان ريو بشأن البيئة والتنمية لعام 1992، ووصولاً إلى اتفاق باريس بشأن تغير المناخ لعام 2015، والتي كرست مبادئ التنمية المستدامة، والوقاية، والاحتراز، والعدالة البيئية، وعدم الإضرار بالبيئة، والمشاركة والشفافية.
وقد خطا الأردن خطوات مهمة في تطوير سياساته البيئية، ولا سيما من خلال إدراج محور «البيئة المستدامة» ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، وتعزيز برامج العمل المناخي والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. إلا أن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب مواصلة تحديث التشريعات البيئية، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين جودة البيانات البيئية، بما ينسجم مع التطورات المتسارعة في القانون الدولي البيئي.
ولا يقاس نجاح الدول بمجرد تحسن ترتيبها في المؤشرات الدولية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذا التقدم إلى تشريعات فعالة، وسياسات قابلة للتنفيذ، ومؤسسات قادرة على إنفاذ القانون البيئي، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية في صنع القرار البيئي.
وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام بتطوير الحماية الدستورية للحقوق البيئية باعتباره خطوة إصلاحية تعزز استدامة الإنجازات البيئية. فالدستور الأردني لا يتضمن نصاً صريحاً يقرر الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة أو الحق في المياه باعتبارهما حقين دستوريين مستقلين، رغم أن التشريعات النافذة توفر حماية غير مباشرة لهما. ومن ثم، فإن فتح حوار وطني حول دسترة هذه الحقوق يمثل فرصة لتعزيز الإطار القانوني الوطني، انسجاماً مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (76/300) لعام 2022، الذي اعترف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة بوصفه أحد حقوق الإنسان.
كما تكتسب دسترة الحق في المياه أهمية خاصة بالنسبة للأردن، باعتباره من أكثر دول العالم معاناة من شح المياه. فالاعتراف الدستوري بهذا الحق من شأنه أن يعزز الإدارة المستدامة للموارد المائية، ويحميها من التلوث، ويكرس العدالة في توزيعها، ويدعم الأمن المائي باعتباره أحد مرتكزات الأمن الوطني والتنمية المستدامة.
ويظل القضاء شريكاً أساسياً في حماية البيئة من خلال ضمان التطبيق الفعال للتشريعات البيئية، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية. كما أن تعزيز العدالة البيئية يتطلب تطوير الخبرات القضائية والفنية، بما يواكب الطبيعة المتخصصة للمنازعات البيئية.
إن المحافظة على تقدم الأردن في مؤشر الأداء البيئي العالمي تستوجب استمرار الإصلاح التشريعي والمؤسسي، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، والتكيف مع آثار التغير المناخي، وإشراك الجامعات ومراكز البحث العلمي والمجتمع المدني والقطاع الخاص في رسم السياسات البيئية.
ويمثل هذا الإنجاز محطة مهمة في مسيرة الأردن نحو التنمية المستدامة، لكنه ليس نهاية الطريق. فاستدامة التقدم تتطلب إرادة سياسية مستمرة، وتشريعات حديثة، وحوكمة رشيدة، وإنفاذاً فعالاً للقانون، إلى جانب ترسيخ الحماية الدستورية للحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة والحق في المياه، بما يعزز التزام المملكة بالقانون الدولي البيئي، ويحمي حقوق الأجيال الحالية والقادمة.
إن قوة الدول لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد وفق مبادئ العدالة والاستدامة وسيادة القانون البيئي.