العنف بين الشباب في الأردن: حين يفشل الحوار ويتقدم الغضب
الدكتورة ماجدة ابراهيم زيدان
لم تعد بعض حوادث العنف بين الشباب في الأردن مجرد مشاجرات عابرة تنتهي بتدخل العقلاء أو رجال الأمن؛ بل أصبحت في بعض صورها مؤشرًا اجتماعيًا يستحق التوقف. فحين يتحول خلاف بسيط إلى اعتداء، أو كلمة عابرة إلى مشاجرة جماعية، يصبح السؤال ضروريًا: ما الذي يدفع بعض الشباب إلى اختيار العنف بدل الحوار؟
لا يجوز التعميم على جيل كامل. فالغالبية الكبرى من الشباب الأردنيين واعية، طموحة، ومنتمية إلى وطنها. لكن وجود سلوك عنيف متكرر أو ظاهر في المدارس والجامعات والشوارع وعلى منصات التواصل يفرض قراءة أعمق للأسباب، بعيدًا عن الإدانة السريعة وحدها.
العنف لا يولد غالبًا من سبب واحد، بل من تراكم عوامل أسرية واقتصادية ونفسية واجتماعية. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يختلف، وكيف يغضب، وكيف يحترم الآخر. وإذا نشأ الشاب في بيئة يسودها الصراخ أو الإهانة أو الضرب، فقد يترسخ لديه أن القوة هي الطريق الأسرع لفرض الرأي. كما أن غياب الحوار داخل البيت، أو الإهمال العاطفي، أو القسوة الزائدة، أو التدليل غير المنضبط، قد يترك الشاب بلا قدرة كافية على إدارة غضبه.
ولا يمكن تجاهل أثر البطالة والفراغ. فالشاب الذي يدرس سنوات طويلة ثم لا يجد فرصة عمل يشعر أحيانًا أنه بلا دور أو قيمة أو أفق. البطالة ليست مبررًا للعنف، ولا تعني أن العاطل عن العمل شخص عنيف، لكنها قد تصبح بيئة خصبة للإحباط والغضب، خصوصًا إذا اجتمعت مع ضعف الدعم الأسري وغياب الأنشطة الهادفة. وتشير دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة في الأردن بلغ 21.4% عام 2024، بينما تبقى بطالة الشباب من أكثر الملفات ضغطًا على المجتمع.
أما المخدرات والمؤثرات العقلية فهي عامل خطير في بعض أنماط العنف والجريمة. فتعاطي هذه المواد قد يضعف قدرة الإنسان على التحكم في انفعالاته، ويدفعه إلى سلوك عدواني أو متهور. وهنا يجب التفريق بين المروج الذي يستهدف المجتمع ويجب ردعه بقوة القانون، وبين المتعاطي الذي يحتاج إلى علاج وتأهيل ومتابعة حتى لا يتحول من ضحية إلى خطر على نفسه وأسرته ومحيطه. وتؤكد مديرية الأمن العام الأردنية باستمرار أهمية التوعية والوقاية وملاحقة مروجي المخدرات.
وتأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف بعدًا جديدًا للمشكلة. فهي لم تخترع العنف، لكنها أعطته جمهورًا وسرعة انتشار. فالمشاجرة التي كانت تنتهي في مكانها أصبحت تُصوَّر وتُنشر وتتحول أحيانًا إلى مادة للفرجة أو الاستفزاز أو التقليد. وبعض الشباب، خصوصًا في سن المراهقة، قد يرى في الظهور العنيف شكلًا من أشكال القوة أو الشهرة. لذلك أصبحت التربية الرقمية ضرورة، لا ترفًا، حتى يفهم الشاب أن نشر العنف أو التحريض عليه قد يكون جزءًا من المشكلة لا مجرد مشاهدة محايدة.
ومن أخطر الجذور الثقافية للعنف الفهم الخاطئ للرجولة والهيبة. فبعض الشباب يعتقد أن الاعتذار ضعف، وأن الانسحاب من الشجار جبن، وأن الرد الفوري واجب لحفظ الكرامة. بينما الحقيقة أن القوة الحقيقية ليست في اليد التي تضرب، بل في النفس التي تسيطر على غضبها، وفي العقل الذي يعرف متى يتوقف.
العلاج لا يكون أمنيًا فقط، رغم أهمية تطبيق القانون بسرعة وعدالة على كل من يعتدي أو يروّع الناس. فالقانون يتدخل غالبًا بعد وقوع الحادثة، أما الوقاية فتبدأ قبل ذلك بسنوات: داخل الأسرة، وفي المدرسة، والجامعة، ومراكز الشباب، وسوق العمل، والإعلام.
نحتاج إلى إرشاد أسري حقيقي، ودعم نفسي في المدارس والجامعات، وبرامج لإدارة الغضب، وفرص تدريب وتشغيل، وأنشطة رياضية وثقافية في المحافظات والأحياء، إضافة إلى خطاب إعلامي لا يمجد المعتدي ولا يحول العنف إلى بطولة.
العنف بين الشباب ليس قدرًا محتومًا، بل إنذار اجتماعي. وإذا أردنا مجتمعًا أكثر أمنًا، فعلينا ألا نسأل فقط: من ضرب؟ بل أن نسأل أيضًا: لماذا وصل هذا الشاب إلى لحظة لم يجد فيها أمامه سوى العنف؟
فكل شاب يجد من يسمعه، ويدرّبه، ويمنحه فرصة، هو مشروع مواطن منتج. وكل غضب ننجح في تحويله إلى عمل أو رياضة أو معرفة، هو جريمة محتملة تم منعها قبل أن تقع.