فلسطين عقيدة العربي وقضية الإنسانية
د. حازم قشوع
ليست فلسطين قضية حدودٍ تُرسم، ولا نزاعًا عابرًا في جغرافيا الشرق، بل هي في وجدان العربي عقيدة، وفي ضمير الإنسانية اختبارٌ للعدالة ومعيارٌ للأخلاق. فمنذ أن ارتبط اسمها بالقدس التى شيدها الملائكه بالروح القدس واعاد ليرسى قواعدها سيدنا سليمان بدعاء الغفران بعد قيامة نوح وبارك حولها البنى الهاشمى عند معراجه وبين ضوابطها الهاشمين بوصايتهم عليها والقدس أرضها مسرحًا للصراع بين قيم الحق ونفوذ القوة حتى غدت فلسطين مرآة تعكس حقيقة المواقف، لا شعاراتها.
وفي الوعي العربي، لم تكن فلسطين يومًا ملفًا سياسيًا يمكن تأجيله أو التفاوض عليه بمعزل عن الهوية، بل كانت وما تزال جزءًا من تعريف الذات العربية ذاتها. فهي ليست فقط أرضًا محتلة، بل رمزٌ لمعنى الانتماء، ودليلٌ على أن الأمة التي تفقد بوصلتها تجاه فلسطين، تفقد جزءًا من قدرتها على تعريف ذاتها في التاريخ. ومن هنا، بقيت فلسطين حاضرة في الضمير الجمعي، رغم تبدل الأزمنة وتغير الأولويات، لأن ما يجمعها بالعرب ليس ظرفًا سياسيًا، بل رابطة وجدانية عميقة تُستدعى كلما تعرضت للامتحان.
أما في ميزان الإنسانية، فإن فلسطين لم تعد قضية شعبٍ يسعى إلى التحرر فحسب، بل أصبحت اختبارًا عالميًا لمصداقية القيم التي يتغنى بها العالم. فحين تُنتهك الحقوق، وتُغيب العدالة، ويُعاد تعريف الضحية وفق ميزان القوة لا القانون، تتحول القضية الفلسطينية إلى معيار يُقاس به صدق النظام الدولي. وهنا، لا تعود المسألة مسألة تضامن، بل مسألة اتساق أخلاقي: هل ما تزال الإنسانية قادرة على الدفاع عن مبادئها، أم أنها أصبحت انتقائية في تطبيقها؟..
وفي السياق ذاته، يتجلى الحضور الفلسطيني بوصفه
جامعًا عربيًا يتجاوز السياسة إلى الفضاء الرياضي والثقافي، حيث عبّر موقف المدرب المصري حسام حسن عن هذا الوعي الجمعي، مؤكدًا أن تمثيل المنتخبات العربية في المحافل الدولية لا ينفصل عن حمل القضية المركزية للأمة...
فسيكون العرب مع مصر كونها قاهرة المعز بالوانها الخضراء كما هم مع المغرب بخمرية الرباط الهاشمى حول الاندلس وهم كما يرفعون رايات الشام البيضاء و رايات بغداد المنصور السوداء كونها جمعيها تشكل الوان علم فلسطين الذى يرفعه العرب تاريخيا برمزيه عقيدة وهى الصورة التى تعكس وحدة الشعور قبل وحدة الموقف، باعتبار أن هذه المنتخبات تمثل العرب جميعًا، وتحمل معها رمزية فلسطين كقضية جامعة وعقيدة راسخة .
وهو النهج الذي حرص النشامى على ترسيخه في المونديال، كما سارت عليه مختلف الفرق العربية في المحافل الدولية، حين تحولت الملاعب إلى منصات تعبير عن الانتماء، وأصبحت فلسطين أيقونة الحرية التي تلتف حولها الجماهير، بوصفها رمزًا سياسيًا وأخلاقيًا حاضرًا في كل الساحات. الأمر الذي يجعل العربي، كما الفلسطيني في القدس والضفة تحت الاحتلال، وفي قطاع غزة تحت الحصار، يقف بذات العقيدة، فيناصر المغرب وينتصر لمصر، كما ينتصر لفلسطين بوصفها قضيته المركزية.
لقد كشفت فلسطين، عبر عقود الصراع، أن المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها. فكل القرارات التي كُتبت، وكل المواثيق التي وُقعت، بقيت عاجزة أمام واقعٍ تفرضه القوة. وهذا ما يجعل من فلسطين قضية مستمرة، لا لأنها بلا حلول، بل لأن الحلول تُؤجل حين تتعارض مع موازين المصالح...ومع ذلك، فإن بقاء فلسطين في قلب المشهد، رغم كل محاولات التهميش، يؤكد أنها ليست قضية قابلة للنسيان. فالشعوب، حين تتمسك بحقها، تُعيد إنتاج قضيتها جيلاً بعد جيل، وتمنحها القدرة على الاستمرار، حتى في أصعب الظروف.
وفي ختام هذا المقال، حيث تلتقي الفكرة بعنوانها وتكتمل الدلالة بمعناها، تتجلى فلسطين بوصفها عقيدة العربي وقضية الإنسانية؛.. وهي القضية التي حملها الهاشميون لواءً عبر التاريخ نهجًا ثابتًا لا يتبدل. وقد عبّر الأردنيون عن هذا الامتداد قولًا وفعلًا، حين اعتبروا القضية الفلسطينية جزءًا أصيلًا من قضيتهم الوطنية، لا تنفصل عنها ولا تُساوم عليها. فهي عقيدةٌ في الضمير وواجبُ دفاعٍ لا يخضع لحسابات الظرف، ولواءُ شرفٍ لا يُحمل إلا بثبات الموقف وصدق الانتماء حيث يلتقي صادق الوعد مع رسوخ العقيدة، في صورةٍ تُجسد وحدة التاريخ والمصير، وتؤكد أن فلسطين ستبقى العنوان الذي يُقاس به صدق المواقف، وميزانًا تُختبر به إنسانية العالم.