"الإدارة المحلية "على خط النار... هل تعيد الحكومة إنتاج أزمة "الضمان" أم تدخل مواجهة مفتوحة مع البرلمان؟
الأنباط _ فايز الشاقلدي
قبل أن يدخل مشروع قانون الإدارة المحلية قبة البرلمان، تبدو ملامح معركة سياسية وتشريعية جديدة قد بدأت تتشكل بصمت، وسط تقديرات نيابية متزايدة بأن الحكومة تسير نحو تكرار السيناريو الذي رافق مشروع قانون الضمان الاجتماعي، عندما اصطدمت حسابات السلطة التنفيذية بمواقف النواب والشارع، لتجد نفسها مضطرة إلى إعادة الحسابات.
فالحكومة، التي اختارت إدراج مشروع القانون ضمن جدول أعمال الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، تراهن على عامل الوقت لإنجاز أحد أهم التشريعات المرتبطة بالإدارة المحلية قبل الاستحقاق الانتخابي المقبل، إلا أن هذا الرهان يصطدم بجملة من المعطيات السياسية التي تجعل تمرير المشروع بصيغته الحالية أكثر تعقيداً مما يبدو.
الدورة الاستثنائية التي تبدأ في الثاني عشر من تموز ليست مجرد محطة تشريعية اعتيادية، بل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة حكومة رئيس الوزراء جعفر حسان على إدارة علاقتها مع أول مجلس نواب تشكلت غالبيته وفق قانون الأحزاب الجديد، وهو مجلس يضم حضوراً حزبياً غير مسبوق، الأمر الذي يجعل تمرير القوانين الكبرى مختلفاً عن التجارب البرلمانية السابقة التي كانت تقوم على الحسابات الفردية أكثر من المواقف السياسية المنظمة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي داخل الأوساط النيابية: لماذا استعجلت الحكومة طرح مشروع قانون بهذا الحجم خلال دورة استثنائية، رغم حساسيته السياسية والإدارية، ودون أن يسبقه أي حوار وطني أو حزبي واسع؟
المؤشرات المتداولة داخل البرلمان تفيد بأن وزير الإدارة المحلية وليد المصري اختار الرهان على اللجنة الإدارية النيابية باعتبارها البوابة الرئيسية لإقرار المشروع، متجنباً فتح نقاشات مسبقة مع الأحزاب أو الكتل النيابية، وهو خيار يراه عدد من النواب مخاطرة سياسية، لأن القوانين التي تمس بنية الإدارة المحلية لا تُحسم داخل لجنة متخصصة فقط، وإنما تُحسم أيضاً في المزاج السياسي العام تحت القبة.
وهنا يبرز تحذير النائب مصطفى العماوي، الذي دعا الحكومة علناً إلى فتح حوار شامل قبل إحالة المشروع إلى مجلس النواب، معتبراً أن القوانين ذات البعد الشعبي لا يجوز التعامل معها بمنطق الاستعجال، لأن النواب في نهاية المطاف يتأثرون بالشارع وبردود الفعل في دوائرهم الانتخابية، خاصة في المحافظات التي تمثل الإدارة المحلية بالنسبة إليها قضية ترتبط مباشرة بالخدمات والتنمية والتمثيل الشعبي.
قراءة المشهد تشير إلى أن الحكومة ربما تعتقد أن تمديد عمر الدورة الاستثنائية، بعدم تحديد موعد لانتهائها، يمنحها مساحة زمنية قد تمتد حتى تشرين الثاني المقبل، وهو ما يوفر فرصة كافية لإدارة النقاشات وامتصاص الاعتراضات. إلا أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بالوقت، وإنما بطبيعة النصوص المطروحة نفسها، والتي يعتبرها كثير من النواب انقلاباً على الفلسفة التي قامت عليها منظومة التحديث السياسي.
فالاعتراضات لا تقتصر على تفاصيل فنية داخل مواد القانون، بل تمتد إلى جوهر المشروع، إذ يرى منتقدوه أنه يعيد صياغة العلاقة بين السلطة المركزية والإدارة المحلية بطريقة تمنح الحكومة نفوذاً أكبر على حساب المؤسسات المنتخبة، وهو ما يثير مخاوف من تراجع المسار الإصلاحي الذي بدأ الحديث عنه منذ إطلاق مشروع التحديث السياسي.
وتزداد حدة هذه الانتقادات إذا ما وضعت في سياق القرار الحكومي السابق بحل جميع المجالس البلدية المنتخبة خلال العام الماضي، وهي الخطوة التي بقيت حتى اليوم محل نقاش سياسي، قبل أن تتبعها الحكومة بمشروع قانون يعيد رسم شكل الإدارة المحلية بصورة تختلف، بحسب خبراء، عن التصورات التي أقرتها لجنة التحديث السياسي.
الخبير ممدوح العبادي كان من أوائل من لفتوا الانتباه إلى هذه النقطة، إذ أشار إلى وجود فجوة واضحة بين مخرجات لجنة التحديث السياسي وبين النصوص التي جاءت بها الحكومة، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل اللامركزية، وصلاحيات مجالس المحافظات، وطبيعة الإدارة الديمقراطية داخل البلديات.
وتكتسب هذه الملاحظة وزناً سياسياً إضافياً إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن وزير الإدارة المحلية نفسه كان رئيساً للجنة الإدارة المحلية المنبثقة عن لجنة التحديث السياسي، وهو ما يعني أن الحكومة ليست أمام اختلاف في التفسير، وإنما أمام خيار تشريعي جديد يبتعد عن المرجعية التي سبق أن شاركت في صياغتها.
هذا التحول يطرح تساؤلات عميقة حول الاتجاه الذي تسلكه السلطة التنفيذية في ملف الإصلاح الإداري؛ فهل نحن أمام مراجعة حقيقية لمسار اللامركزية بعد سنوات من التطبيق؟ أم أن ال…