لماذا يجب إقرار قانون مياه جديد في الأردن الآن؟
لماذا يجب إقرار قانون مياه جديد في الأردن الآن؟
نحو حوكمة تشريعية ودسترة الحق في المياه
يشهد قطاع المياه في الأردن تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، في ظل تنفيذ مشاريع وطنية كبرى تهدف إلى تعزيز الأمن المائي ومواجهة تحديات الندرة والتغير المناخي. وفي المقابل، يبرز سؤال قانوني وسياسي ملحّ: هل يمكن إدارة أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الوطني وحقوق الإنسان في ظل إطار تشريعي يعود في أساسه إلى أكثر من ثلاثة عقود؟
لقد أعدّت الحكومة مسودة قانون جديد للمياه منذ عام 2020، إلا أنها لم تُقر حتى اليوم، رغم ما يشهده القطاع من تغيرات مؤسسية واستثمارات استراتيجية ومتطلبات متزايدة لتعزيز الحوكمة والشفافية. وأصبح استمرار العمل بالتشريعات الحالية يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على مواكبة المرحلة الجديدة، خصوصًا في ظل تنامي التحديات المرتبطة بندرة المياه، والتغير المناخي، وارتفاع كلف إدارة الموارد المائية.
إن الحاجة إلى قانون جديد لا تنبع فقط من الرغبة في تحديث التشريعات، بل من ضرورة إعادة بناء الإطار القانوني الذي يحكم قطاع المياه بما يحقق التوازن بين الأمن المائي، والاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الإنسان.
وقد خلص تقرير «الحق في المياه في الأردن من منظور حقوق الإنسان»، الصادر ضمن سلسلة تقارير الراصد العربي 2025 عن الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية (ANND)، إلى أن أزمة المياه في الأردن لم تعد تقتصر على محدودية الموارد الطبيعية، وإنما أصبحت ترتبط كذلك بقضايا الحوكمة، وكفاءة الإدارة، والإطار التشريعي، وآليات المساءلة، الأمر الذي يتطلب إصلاحًا قانونيًا ومؤسسيًا شاملاً يضع الحق في المياه في صلب السياسات العامة.
وتتضمن مسودة قانون المياه إصلاحات مؤسسية مهمة، أبرزها دمج سلطة المياه في وزارة المياه والري، وإنشاء وحدة لتنظيم قطاع المياه، وإعادة تنظيم العلاقة مع الشركات المشغلة، وتشديد العقوبات على الاعتداءات على مصادر المياه، وتطوير أدوات الرقابة والتنظيم. إلا أن هذه الإصلاحات تبقى بلا أثر عملي ما دامت لم تتحول إلى قانون نافذ.
غير أن إصدار قانون جديد، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يقتصر على إعادة الهيكلة الإدارية، بل يجب أن يؤسس لمنظومة حديثة لحوكمة قطاع المياه، تقوم على وضوح الاختصاصات، والفصل بين رسم السياسات والتنظيم والتشغيل، وتعزيز الشفافية، وضمان الرقابة المستقلة، وترسيخ المساءلة عن الأداء والإنفاق وجودة الخدمات.
وفي هذا السياق، فإن النهج القائم على حقوق الإنسان يوفر إطارًا متكاملًا لإدارة المياه، إذ يؤكد التعليق العام رقم (15) للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحق في المياه يقتضي ضمان توافر المياه، وجودتها، وإمكانية الوصول إليها ماديًا واقتصاديًا، دون تمييز، باعتباره حقًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحق في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية.
ومن هنا، فإن قانون المياه الجديد ينبغي أن يتضمن نصوصًا واضحة تعترف بالحق في المياه، وتحدد التزامات الدولة في ضمان الحد الأدنى من المياه الآمنة والكافية، وتنظم أولويات تخصيص الموارد المائية، بما يضمن إعطاء الأولوية لمياه الشرب والاستخدامات المنزلية قبل غيرها عند إدارة حالات الشح والأزمات.
كما أن توسع دور الشركات في إدارة وتشغيل بعض خدمات المياه يجعل من الضروري إنشاء جهة تنظيمية مستقلة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، تتولى تنظيم القطاع، ومراقبة أداء الشركات، واعتماد مؤشرات الأداء، ومراجعة التعرفة، وحماية حقوق المستهلكين، والنظر في الشكاوى، بعيدًا عن تضارب المصالح بين الجهة المنظمة والجهة المشغلة.
ولا تقل الشفافية أهمية عن الإصلاح المؤسسي، إذ ينبغي أن يفرض القانون التزامًا بنشر البيانات المتعلقة بالموارد المائية، ونسب الفاقد، وجودة المياه، وكلف المشاريع، والعقود المبرمة، بما يعزز الرقابة البرلمانية، ويتيح للمجتمع المدني ووسائل الإعلام ممارسة دورها في متابعة إدارة هذا المورد الحيوي.
ومن المسائل التي تستحق نقاشًا وطنيًا أيضًا دسترة الحق في المياه. فالنص الدستوري يمنح هذا الحق حماية قانونية أعلى من القوانين العادية، ويجعل احترامه التزامًا على جميع السلطات العامة، ويعزز الرقابة القضائية على أي إجراءات أو سياسات قد تمس جوهر هذا الحق.
ورغم أن الدستور الأردني لا يتضمن نصًا صريحًا بشأن الحق في المياه، فإن التطور المتسارع في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وما يشهده الأردن من تحديات مائية متزايدة، يبرران التفكير في إدراج هذا الحق ضمن منظومة الحقوق الدستورية مستقبلاً، بما ينسجم مع مكانة المياه باعتبارها شرطًا أساسيًا للحياة والكرامة الإنسانية.
ولا تعني دسترة الحق في المياه منح حق مطلق وغير محدود في استخدام الموارد المائية، وإنما تعني إلزام الدولة بضمان حد أدنى من المياه الآمنة والكافية لكل فرد، وإدارة هذا المورد وفق مبادئ العدالة والاستدامة وعدم التمييز، مع توفير وسائل قانونية فعالة للمساءلة والإنصاف.
لم يعد تأخر إقرار قانون المياه مجرد مسألة تشريعية، بل أصبح قضية تمس الأمن المائي والأمن الوطني، وتؤثر في قدرة الدولة على إدارة أحد أكثر مواردها ندرة وحيوية وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة. فالمشروعات الاستراتيجية الكبرى، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها بصورة مستدامة من دون إطار قانوني حديث يحدد المسؤوليات، ويعزز الشفافية، ويكرس المساءلة، ويوفر رقابة مؤسسية فعالة على إدارة قطاع المياه.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تقتضي الإسراع في إقرار قانون مياه عصري يواكب التحولات التي يشهدها القطاع، ويستند إلى نهج قائم على حقوق الإنسان، ويؤسس لجهة تنظيمية مستقلة، ويضمن المشاركة والشفافية والمساءلة في إدارة الموارد المائية.
وفي المدى الأبعد، قد يكون من المناسب فتح نقاش وطني حول دسترة الحق في المياه، باعتباره حقًا أساسيًا يرتبط بالحق في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية، بما ينسجم مع التطور المتزايد للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويعزز التزام الدولة بضمان الحد الأدنى من المياه الآمنة والكافية لجميع الأفراد دون تمييز.
إن الأردن لا يحتاج اليوم إلى إدارة أزمة المياه فحسب، بل إلى إعادة بناء المنظومة القانونية لقطاع المياه بما يواكب تحديات القرن الحادي والعشرين، ويوازن بين متطلبات الأمن المائي، والاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الإنسان. فإقرار قانون مياه جديد لم يعد خيارًا تشريعيًا، بل أصبح ضرورة وطنية واستحقاقًا قانونيًا يفرضه الواقع، وتستوجبه متطلبات التنمية المستدامة، ويستدعيه حجم الاستثمارات الوطنية في قطاع المياه، ويؤسس لإدارة أكثر كفاءة وشفافية لهذا المورد الاستراتيجي، حفاظًا على حقوق الأجيال الحالية والقادمة.