"التعليم المهني في الأردن... من خيارٍ بديل إلى ركيزةٍ للدولة المنتجة"
الدكتور فايز السعودي
أعادت الإجراءات التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم بشأن تنظيم انتقال طلبة الصف التاسع إلى المسارين الأكاديمي والمهني فتح ملفٍ وطني طال انتظاره، وأثارت سؤالًا ينبغي أن يكون محور النقاش العام: هل نسعى إلى زيادة أعداد الملتحقين بالتعليم المهني، أم إلى بناء منظومة وطنية تُسهم في إنتاج اقتصادٍ أكثر تنافسية واستدامة؟
الحقيقة أن التعليم المهني ليس مجرد مسار تعليمي موازٍ للتعليم الأكاديمي، بل هو استثمار استراتيجي في رأس المال البشري، وأحد أهم مرتكزات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لذلك، فإن نجاحه لا يمكن أن يبقى مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، بل يتطلب مشروعًا وطنيًا تشارك فيه الحكومة، والقطاع الخاص، والجامعات، ومؤسسات التدريب، ووسائل الإعلام، والمجتمع بأسره.
وأولى التحديات تتمثل في غياب رؤية وطنية متكاملة تجعل التعليم المهني جزءًا من السياسة الاقتصادية للدولة، لا مجرد برنامج داخل المنظومة التعليمية. فالتخصصات المهنية يجب ألا تُحدد وفق أعداد الطلبة أو الإمكانات المتاحة فقط، بل وفق قراءة علمية لاحتياجات سوق العمل، ولمتطلبات الاقتصاد الوطني خلال العقدين المقبلين، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
كما أن اتخاذ طالب الصف التاسع قرارًا يرسم مستقبله المهني يتطلب منظومة متكاملة للإرشاد المهني تبدأ منذ المراحل الدراسية الأولى، وتستند إلى اكتشاف الميول والقدرات، لا إلى النتائج الدراسية وحدها. فالاختيار السليم هو الذي يحقق التوازن بين رغبة الطالب، وكفاءته، واحتياجات الوطن.
ولا تزال النظرة المجتمعية تمثل أحد أكبر العوائق أمام التعليم المهني، إذ ينظر إليه كثيرون باعتباره خيارًا ثانيًا، لا مسارًا يوازي التعليم الأكاديمي في الأهمية. وهذه الصورة لا تتغير بالقرارات الإدارية، وإنما بسياسات وطنية تعيد الاعتبار لقيمة العمل، وتبرز نماذج النجاح، وتوفر لخريجي التعليم المهني فرصًا حقيقية للتشغيل، ودخلًا كريمًا، ومسارات واضحة للتطور المهني والأكاديمي.
ومن أبرز الفجوات أيضًا أن عددًا من التخصصات المهنية ما يزال بعيدًا عن متطلبات الاقتصاد الحديث. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الدول للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والأمن السيبراني، والروبوتات، والتصنيع الذكي، والاقتصاد الرقمي، لا يزال جانب من برامجنا المهنية يدور في إطار تخصصات تقليدية لم تعد تلبي احتياجات المستقبل. وهذا يستوجب مراجعة شاملة للمناهج والتخصصات، وربطها بالثورة الصناعية الرابعة، وبالفرص الاستثمارية التي يسعى الأردن إلى استقطابها.
كما أن نجاح التعليم المهني يتطلب استثمارًا حقيقيًا في البنية التحتية، من خلال تحديث الورش والمختبرات، وتأهيل المعلمين والمدربين، وإقامة شراكات مؤسسية مع القطاع الخاص، بحيث يصبح التدريب العملي داخل المصانع والشركات جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، لا نشاطًا هامشيًا.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إعادة النظر في التشريعات الناظمة لهذا القطاع، بما يضمن مرونة انتقال خريجي التعليم المهني إلى الكليات والجامعات، ويمنحهم فرصًا متكافئة لاستكمال تعليمهم، ويؤكد أن هذا المسار يفتح أبواب المستقبل ولا يغلقها.
أما التوسع في استخدام التكنولوجيا لضبط الحضور والانضباط المدرسي، فهو خطوة يمكن أن تسهم في تحسين الإدارة المدرسية، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. فالانضباط الحقيقي لا يُصنع بالكاميرات وحدها، بل بمدرسة جاذبة، ومعلم مُمكَّن، ومناهج عصرية، وبيئة تعليمية يشعر فيها الطالب بأن المدرسة تصنع مستقبله، لا أنها تراقب حضوره فقط.
إن الأردن يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء التعليم المهني بوصفه أحد محركات النمو الاقتصادي، وأداة لتقليل البطالة، وتعزيز الإنتاجية، وتحقيق الاكتفاء بالمهارات الوطنية. وهذا لن يتحقق إلا إذا انتقلنا من إدارة التعليم المهني باعتباره خيارًا تعليميًا، إلى اعتباره مشروعًا وطنيًا تتكامل فيه السياسات التعليمية والاقتصادية والاستثمارية.
وفي النهاية، فإن نجاح التعليم المهني لن يُقاس بعدد الطلبة الملتحقين به، بل بعدد الكفاءات التي يخرجها، وفرص العمل التي يوفرها، والمشروعات التي يؤسسها خريجوه، والقيمة المضافة التي يحققها للاقتصاد الوطني.
إن الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الشهادات بقدر حاجته إلى مزيد من الكفاءات. وكل دينار يُستثمر في تعليم مهني حديث هو استثمار في الإنتاج، والابتكار، والتشغيل، والاستقرار الاقتصادي. فلنجعل التعليم المهني مشروع دولة، لا خيارًا تعليميًا هامشيًا، لأنه الطريق الأقصر إلى دولة منتجة واقتصاد قوي ومستقبل أكثر ازدهارًا.