الأوبرج… المقهى الذي ظلّ يحرس ذاكرة عمّان حتى آخر فنجان
في قلب عمّان، عند ملتقى الضوء والغبار، كان مقهى الأوبرج واقفًا كشيخٍ يروي حكايات المدينة. واجهته الحجرية التي شاخت ببطء، وكؤوس الماء التي كانت تلمع تحت الضوء الأصفر، وشذا القهوة الذي يختلط بصوت الحنين، كلّها كانت شواهد على زمنٍ لم يرحل تمامًا.
تأسس المقهى في أواخر الأربعينات على يد سليم إسماعيل اللوباني، الذي جاء إلى عمّان حاملاً معه فكرة المقهى الأوروبي بنكهة عربية. أراده "نُزلاً للروح”، كما قال ذات مرة لأحد أصدقائه، لا مكانًا لبيع القهوة فقط. ومنذ ذلك الحين، صار "الأوبرج” بيتًا مفتوحًا للمثقفين والكتّاب والفنانين والصحفيين، ولكلّ من يبحث عن زاويةٍ يسمع فيها نفسه وسط ضجيج العالم.
في خمسينات وستينات القرن الماضي، كان الأوبرج يشبه صالونًا أدبيًا غير معلن. جلس فيه تيسير سبول يدوّن أفكاره على ورقٍ صغير، وفخري قعوار يكتب أولى نكاته الساخرة قبل أن تُطبع في الصحف، ومرّ منه شعراء وملحنون ومذيعون من إذاعة عمّان، كلٌّ منهم ترك فيه شيئًا من صوته أو ظلّ قهوته.
وحدها عمّان تعرف كم من الأسرار والحكايات سُردت في زواياه، كم من وجوهٍ عبرت بين طاولةٍ وأخرى تبحث عن معنى أو بداية جديدة. في الليل، كان المقهى يتحوّل إلى مسرحٍ صغير: ضحكات تختلط بالدخان، ونقاشات بين الحلم والواقع، وأغاني أم كلثوم تتسلل من مذياعٍ عتيقٍ كأنها صلاة المساء.
ومع مرور العقود، تغيّر كل شيء حوله: المقاهي الحديثة انتقلت الى جبل اللويبدة وعبدون، الأجيال تبدّلت، والمدينة تمدّدت، لكن الأوبرج ظلّ في مكانه، حارسًا لذاكرةٍ لا تريد أن تُمحى. ظلّ حتى السنوات الأخيرة يستقبل روّاده القدامى وأبناءهم، يحتفي بالحياة رغم تعب الجدران، كأنه يقول: "عمّان لا تموت ما دامت قهوتها تُسكب في الذاكرة.”
ثم جاء عام ٢٠٢٠ وابتلينا بجائحة كورونا، حين أُغلق الباب للمرة الأخيرة. لم يُغلق كأي محل تجاري، بل كما تُغلق نافذة في ذاكرة مدينة. غادره الكراسي بصمت، والهواء ظلّ معلقًا في المكان، كأنه ينتظر أن يعود أحدهم ويقول: "هات فنجان قهوة على حساب العمر.”
ورغم الغياب، لا يزال الأوبرج حيًّا في وجدان عمّان؛ يُذكر كلما تحدّث الناس عن وسط البلد، وكلما مرّ أحدهم من هناك وشمّ رائحة القهوة القديمة التي لا تزال، على نحوٍ ما، تطوف في الهواء.
سامي ابو حسين
كشك الطليعة قاع المدينة