التوجيهي الأردني امتحان لاكتشاف العباقرة أم لتقييم الطلبة بعدالة

التوجيهي الأردني امتحان لاكتشاف العباقرة أم لتقييم الطلبة بعدالة

د. ميساء نصر الرواشدة / الجامعة الاردنية 
كل عام، ومع بداية امتحانات الثانوية العامة، يتكرر المشهد ذاته؛ طلبة يدخلون الامتحانات وهم يحملون من القلق أكثر مما يحملون من الثقة، وأسر تعيش حالة استنفار وكأنها تستعد لمعركة مصيرية، ومعلمون يترقبون مستوى الأسئلة، وما إن يبدأ الطلبة بالخروج من قاعات الامتحان حتى تمتلئ وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بآلاف التعليقات التي تتحدث عن صعوبة الامتحانات، وعدم اتزانها، وتطالب بمراجعة فلسفة الثانوية العامة.
وكل عام أيضًا، تتكرر الشكاوى ذاتها، وتتكرر الوعود ذاتها، ثم ينتهي الموسم ويُطوى الملف، وكأن شيئًا لم يكن، لنعود في العام التالي إلى النقطة نفسها، ونعيش السيناريو ذاته، وكأننا لم نتعلم من تجارب السنوات الماضية. إنها الحلقة نفسها التي تتكرر عامًا بعد عام، ولا حياة لمن تنادي.
وجاء امتحان الرياضيات لهذا العام ليعيد فتح هذا الملف من جديد. فبحسب ما تداوله عدد كبير من معلمي الرياضيات والطلبة، جاء الامتحان بصيغة خمسين سؤالًا من نوع الاختيار من متعدد، دون أي سؤال مقالي يسمح للطالب بإظهار خطوات الحل أو الحصول على جزء من العلامة إذا كان منهجه في التفكير صحيحًا، بينما تُحتسب العلامة على الإجابة النهائية فقط. والأكثر إثارة للجدل أن الامتحان جمع محتوى فصلين دراسيين كاملين في جلسة واحدة مدتها ثلاث ساعات.
حتى لو افترضنا أن الامتحان كان سهلًا، فإن دمج فصلين دراسيين في جلسة واحدة يمثل بحد ذاته عبئًا ذهنيًا ونفسيًا كبيرًا. فالرياضيات ليست مادة تعتمد على الحفظ، بل تحتاج إلى تركيز وتحليل واستدعاء للقوانين وإدارة دقيقة للوقت. فكيف يُطلب من طالب أن يحافظ على أعلى درجات التركيز ثلاث ساعات متواصلة وهو يعلم أن مستقبله قد يتحدد بخطأ حسابي واحد؟
بل دعونا نسأل سؤالًا بسيطًا: هل يستطيع من وضع هذا الامتحان أن يجلس ثلاث ساعات متواصلة ليحل امتحانًا يغطي فصلين دراسيين كاملين، تحت الضغط النفسي نفسه الذي يعيشه طالب في السابعة عشرة من عمره، يعلم أن مستقبله الجامعي قد يتوقف على نتيجة هذه الساعات الثلاث؟
إن القضية ليست في امتحان الرياضيات وحده، ولا في هذا العام تحديدًا، بل في فلسفة التوجيهي نفسها.
هل أصبح امتحان الثانوية العامة وسيلة لاكتشاف أصحاب القدرات الاستثنائية فقط؟
أم أنه وُجد أساسًا لتقييم تحصيل جميع الطلبة بصورة عادلة؟
نحن لا نطالب بامتحانات سهلة، ولا ندعو إلى تخفيض مستوى التعليم، بل نطالب بامتحانات عادلة، تبنى وفق أسس القياس والتقويم الحديثة، وتقيس جميع مستويات التفكير، وتمنح الطالب فرصة لإظهار ما تعلمه، لا أن تجعله يشعر منذ الدقائق الأولى أن الامتحان لا يخاطب إلا فئة محدودة جدًا من الطلبة.
فالامتحان الجيد ليس الامتحان الأصعب، وإنما الامتحان الذي يحقق العدالة، ويستطيع التمييز بين مستويات الطلبة دون أن يحول قاعة الامتحان إلى ساحة معركة نفسية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا ما زلنا نربط بين صعوبة الامتحان وهيبة التعليم؟ وهل قوة النظام التعليمي تقاس بكمية الأسئلة المعقدة، أم بجودة التعليم وعدالة التقييم؟
إن دولًا كثيرة تمتلك أنظمة تعليمية متقدمة لا تتباهى بصناعة امتحانات تعجيزية، وإنما تفتخر ببناء اختبارات علمية تراعي الفروق الفردية، وتقيس المعرفة والفهم والتطبيق والتحليل، بحيث يخرج الطالب وهو يشعر أن الامتحان منحه فرصة حقيقية ليعبر عن مستواه.
فأين خبراء القياس والتقويم؟ وأين المتخصصون في بناء الاختبارات؟ وأين الاستراتيجيات التربوية التي تؤكد أن الامتحان وسيلة لقياس التعلم، وليس وسيلة لإنتاج الإحباط؟
وللأسف، لم يعد أثر التوجيهي نفسيًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا.
ففي الأردن، لم تعد الأسر تخطط فقط لكيفية نجاح أبنائها في التوجيهي، بل أصبحت تخطط منذ سنوات للهروب منه. الهروب إلى البرامج الدولية، الهروب إلى المدارس الأجنبية.
بل إن بعض الأسر ترسل أبناءها لإكمال المرحلة الثانوية خارج الأردن، رغم ما يترتب على ذلك من تكاليف مالية باهظة، فقط لتجنب البرنامج الوطني.
وهنا يجب أن نتوقف طويلًا...
عندما تصبح آلاف الأسر مستعدة لدفع عشرات، بل مئات آلاف الدنانير على مدى سنوات الدراسة، من أجل تسجيل أبنائها في مدارس دولية، أو إرسالهم للدراسة خارج الأردن، فالمشكلة لم تعد في قدرة الأسرة على الإنفاق، وإنما في فقدان الثقة بفلسفة الامتحان الوطني.
أصبحت الدروس الخصوصية عبئًا اقتصاديًا، والدوسيات تجارة مزدهرة، والمدارس الخاصة ضرورة لدى كثير من الأسر، لا خيارًا، لأن الجميع يبحث عن أي وسيلة تقلل من رعب التوجيهي.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
لماذا يشعر كثير من أولياء الأمور أن الامتحانات الدولية أكثر عدالة من امتحاناتنا الوطنية؟
لماذا يحصل الطالب المجتهد في كثير من البرامج الدولية على المعدل الذي يستحقه إذا بذل الجهد المطلوب، بينما يشعر كثير من طلبتنا أن امتحانات التوجيهي تُبنى على فلسفة التعجيز أكثر من فلسفة القياس؟
وهل الهدف من امتحان الثانوية العامة أن يقيس تحصيل الطالب، أم أن يقلص أعداد الحاصلين على المعدلات المرتفعة؟
هذا السؤال يتردد كل عام، ويزداد كلما ارتفعت صعوبة الامتحانات.
ويتساءل كثيرون: هل أصبح التوجيهي أداة غير مباشرة لتنظيم القبول الجامعي، والحد من أعداد المقبولين في بعض التخصصات التي يرى المخططون أنها مشبعة أو لا يحتاجها سوق العمل مستقبلًا؟
لا أطرح هذا السؤال بوصفه حقيقة، وإنما لأنه أصبح سؤالًا مشروعًا يتردد في المجتمع الأردني، ويستحق إجابة واضحة وشفافة.
ومن خلال عملي الأكاديمي، اختلطت بآلاف الطلبة، وأستطيع أن أؤكد أن التوجيهي ليس المقياس الوحيد للنجاح. كم من طالب لم يحقق المعدل الذي حلم به في الثانوية العامة، ثم أصبح من أنجح طلبة الجامعات، ومن أفضل الباحثين والأطباء والمهندسين.
وفي المقابل، هناك من حصلوا على معدلات مرتفعة، لكنهم لم يحققوا النجاح نفسه لاحقًا.
لذلك، فإن اختزال مستقبل الإنسان في امتحان واحد ليس عدلًا، ولا يعكس حقيقة قدراته.
وأكتب هذه الكلمات أيضًا بصفتي أمًا لأربعة أبناء مروا بهذه التجربة.
ولم يكن اسمها بالنسبة لنا "التوجيهي"... بل كان "التوجيعي".
عشت معهم ليالي القلق، ورأيت الخوف في أعينهم، ولم تنتهِ آثار تلك التجربة بانتهاء الامتحانات.
حتى اليوم، وبعد أن تخرجوا من الجامعات، ما زال موسم التوجيهي يعيد إليهم مشاعر القلق نفسها، ويتابعون أخبار الطلبة بتعاطف كبير، وكأنهم ما زالوا يجلسون على مقاعد الامتحان.
وهذا يؤكد أن التوجيهي لا يترك أثرًا تعليميًا فقط، بل يترك ندوبًا نفسية قد ترافق بعض الطلبة سنوات طويلة.
إننا بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة لفلسفة الثانوية العامة، لا إلى تعديل سؤال هنا أو تخفيف سؤال هناك.
بحاجة إلى نظام تقييم يحافظ على هيبة الشهادة الأردنية، دون أن يجعل الخوف هو السمة الملازمة لها.
بحاجة إلى امتحانات تبني الثقة، لا الرهبة، وتقيس التعلم، لا القدرة على تحمل الضغط، وتصنع الأمل، لا الإحباط.
فالأوطان لا تُبنى بطلاب يخشون الامتحان، بل بطلاب يحبون التعلم، ويثقون أن الاجتهاد سيقودهم إلى أحلامهم، وأن الدولة التي علمتهم ستمنحهم أيضًا حقهم في تقييم عادل، يفتح لهم أبواب المستقبل، بدل أن يجعل امتحانًا واحدًا يتحكم في مصيرهم، ويختزل اثني عشر عامًا من التعب في ثلاث ساعات قد لا تعكس حقيقة قدراتهم.