سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني: قيادة شبابية أردنية في خدمة السلام والبيئة والتنمية المستدامة

بقلم
المحامي الدكتور علي سليم الحموري
عضو هيئة التدريس بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة
رئيس جمعية استشراف المستقبل للحقوق البيئية والعدالة المناخية
في عيد ميلاده الثاني والثلاثين، لا يحتفي الأردنيون بعيد ميلاد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فحسب، بل يحتفون أيضاً بنموذج قيادي شاب استطاع أن يجمع بين الانتماء الوطني والرؤية العالمية، وأن يضع قضايا الشباب والسلام والبيئة والتنمية المستدامة في صدارة الأولويات الوطنية والدولية. فمنذ توليه ولاية العهد، رسّخ سموه نهجاً يقوم على الاستثمار في الإنسان، والإيمان بقدرات الشباب، والانخراط الفاعل في معالجة التحديات المعاصرة برؤية شمولية تربط بين الأمن والتنمية والاستدامة.
أولاً: الشباب في قلب الرؤية الوطنية والدولية
انسجاماً مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني، التي تؤكد أهمية تحسين نوعية التعليم، وتحقيق النمو الاقتصادي، وضمان اندماج الشباب في الحياة العامة وصنع القرار، جاءت مبادرات سمو ولي العهد لتشكّل منصات حقيقية لتمكين الشباب الأردني وتعزيز دورهم كشركاء في التنمية.
ومن هذا المنطلق، تأسست مؤسسة ولي العهد عام 2015 برؤية عنوانها: «شباب قادر لأردن طموح»، بهدف دعم قدرات الشباب والشابات في مختلف محافظات المملكة وتطويرها. وأشرفت المؤسسة على مجموعة من المبادرات النوعية، من بينها منصة «نحن» الوطنية للتطوع ومشاركة الشباب، وجامعة الحسين التقنية التي تمثل نموذجاً ريادياً في التعليم التقني والمهني، ومصنع الأفكار (TechWorks) الذي يُعد مختبراً رقمياً لدعم الابتكار والمبتكرين من الشباب، ومبادرة «مليون مبرمج أردني»، وبرنامج «خطى الحسين» لتنمية المهارات القيادية، إضافة إلى مبادرات «حقق» و«قصي» و«سمع بلا حدود»، وغيرها من المبادرات التي تستهدف إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على القيادة والتغيير.
ولم يقتصر اهتمام سموه على تمكين الشباب داخل الأردن، بل امتد إلى الساحة الدولية. ففي الثالث والعشرين من نيسان عام 2015، ترأس سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني جلسة النقاش المفتوحة لمجلس الأمن الدولي حول «صون السلم والأمن الدوليين: دور الشباب في مكافحة التطرف العنيف وتعزيز السلام»، ليصبح أصغر شخصية تترأس جلسة لمجلس الأمن في تاريخ الأمم المتحدة.
 
وانطلقت رؤية سموه آنذاك من إيمان عميق بأن الشباب ليسوا جزءاً من المشكلة، بل جزء أساسي من الحل، وأنهم، رغم كونهم الفئة الأكثر تأثراً بالنزاعات والأزمات، يمتلكون طاقات هائلة تؤهلهم لصناعة السلام وتعزيز الاستقرار إذا ما أتيحت لهم الفرصة المناسبة.
وتُوّجت الجهود الأردنية التي قادها سموه باستضافة المنتدى العالمي للشباب والسلام والأمن في عمّان، وصياغة «إعلان عمّان حول الشباب والسلام والأمن»، وصولاً إلى اعتماد مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 2250 لعام 2015 بشأن الشباب والسلام والأمن، وهو أول قرار في تاريخ الأمم المتحدة يخصص بالكامل لدور الشباب في بناء السلام ومنع النزاعات ومكافحة التطرف وتعزيز مشاركتهم في صنع القرار.
ويمثل القرار 2250 إنجازاً أردنياً ودولياً بارزاً، إذ أرسى خمسة محاور رئيسية هي: المشاركة، والحماية، والوقاية، والشراكات، وإعادة الإدماج، بما أسس لأجندة أممية جديدة تعترف بالشباب شركاء في الأمن والسلام والتنمية المستدامة.
ثانياً: رؤية بيئية ومناخية متقدمة
إلى جانب اهتمامه بقضايا الشباب، أظهر سمو ولي العهد اهتماماً متزايداً بالقضايا البيئية والمناخية، انطلاقاً من إدراكه العميق للترابط الوثيق بين البيئة والأمن والتنمية وحقوق الإنسان. فقد تبنى سموه خطاباً متقدماً ينظر إلى التغير المناخي بوصفه تحدياً متعدد الأبعاد، تتجاوز آثاره الجانب البيئي لتشمل الأمن الإنساني والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وخلال مشاركته في مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP29)، أكد سموه أن «منطقتنا تتعرض لواقع قاسٍ مرتبط بالتغير المناخي، كالارتفاع في درجات الحرارة، والجفاف، وفقدان التنوع الحيوي، وتتسبب الحرب في تفاقم التحديات البيئية بالنسبة لغزة وخارجها».
كما شدد سموه على أن «النهج الشامل والعادل في التعامل مع تحدي المناخ يتطلب منا أن نولي اهتماماً للعلاقة بين المناخ والسلام والأمن». ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة، لكونه يربط بين التغير المناخي والنزاعات المسلحة وقضايا الأمن والاستقرار، في انسجام مع الاتجاهات الحديثة في القانون والسياسة الدوليين التي باتت تتعامل مع التغير المناخي باعتباره أحد أبرز التهديدات غير التقليدية للسلم والأمن الدوليين.
 
وتجسد هذا الاهتمام أيضاً في مشاركة سموه في قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، حيث أكد أن التغير المناخي يعد من أهم تحديات العصر، ودعا إلى تبني سياسات مستدامة في مجالات المياه والطاقة والزراعة وإدارة النفايات، وتطوير النظام التعليمي لإعداد جيل قادر على ابتكار الحلول البيئية والمناخية، بما يرسخ دور الأردن كشريك فاعل في الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة التغير المناخي والتخفيف من آثاره.
ثالثاً: البيئة والتنمية المستدامة… من الرؤية إلى الممارسة
لم يقتصر اهتمام سمو ولي العهد على الخطاب البيئي والمناخي، بل امتد إلى المبادرات العملية التي تسعى إلى إحداث تغيير حقيقي في السلوك البيئي والممارسات المجتمعية.
فقد ترأس سموه اجتماع اللجنة التحضيرية للبرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات للأعوام 2026-2027، مؤكداً أن نظافة الأماكن العامة واجب ديني وأخلاقي ومسؤولية وطنية مشتركة، وأن التعامل مع التحديات الاقتصادية والإقليمية يجب ألا يحول دون الاهتمام بالنظافة العامة وحماية البيئة.
وتنسجم هذه الرؤية مع القانون الإطاري لإدارة النفايات رقم 16 لسنة 2020، الذي يُعد من التشريعات البيئية المتقدمة على المستوى الإقليمي، لقيامه على مجموعة من المبادئ الحديثة في القانون البيئي، وفي مقدمتها مبادئ التنمية المستدامة، والوقاية، والمسؤولية المشتركة، والمشاركة المجتمعية، ومبدأ «الملوث يدفع»، فضلاً عن تبنيه مفهوم الإدارة المتكاملة للنفايات والاقتصاد الدائري.
وتعكس متابعة سموه لملف النظافة العامة والإلقاء العشوائي للنفايات إدراكاً متقدماً لأهمية الانتقال من الإدارة التقليدية للنفايات إلى نموذج يقوم على الشراكة المجتمعية، والوعي البيئي، وتعزيز ثقافة المسؤولية الفردية والجماعية تجاه البيئة.
رابعاً: حماية التنوع الحيوي وتعزيز السياحة البيئية
برز اهتمام سمو ولي العهد بالبيئة بصورة عملية من خلال زياراته الميدانية للمواقع الطبيعية والمحميات البيئية في المملكة. فقد اطلع سموه، خلال زيارته لمحمية غابات اليرموك للمحيط الحيوي، على ما تتميز به من تنوع حيوي فريد، إذ تُعد موطناً لأكثر من 546 نوعاً نباتياً، وتشكل ممراً مهماً للطيور المهاجرة، وتضم مسارات بيئية ونزلاً سياحية طبيعية.
 
كما شارك سموه مجموعة من الناشطين والمتخصصين في السياحة البيئية والداخلية في مسير طبيعي داخل المحمية، مؤكداً أهمية تطوير السياحة البيئية باعتبارها أداة فاعلة لتحقيق التنمية المستدامة وتمكين المجتمعات المحلية اقتصادياً واجتماعياً.
وتعكس هذه الممارسات فهماً متقدماً للدور الذي يمكن أن تؤديه المحميات الطبيعية والسياحة البيئية في تحقيق التوازن بين حماية الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية الاقتصادية، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف الثامن المتعلق بالنمو الاقتصادي المستدام والعمل اللائق، والهدف الخامس عشر المتعلق بحماية النظم البيئية والتنوع الحيوي.
خاتمة
في عيده الثاني والثلاثين، لا يحتفي الأردنيون بعيد ميلاد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني فحسب، بل يحتفون أيضاً بمسيرة متجددة من العطاء والعمل الميداني والرؤية المستقبلية. فمن مجلس الأمن الدولي إلى مؤتمرات المناخ العالمية، ومن تمكين الشباب وتعزيز الابتكار إلى حماية البيئة والتنوع الحيوي وترسيخ ثقافة النظافة العامة، يقدم سموه نموذجاً لقيادة شابة تؤمن بأن بناء الإنسان وحماية البيئة وصناعة السلام مسارات متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
لقد استطاع سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني أن يقدم صورة مشرقة للشباب الأردني القادر على المبادرة والإنجاز، وأن يجعل من قضايا الشباب والسلام والبيئة والتنمية المستدامة جزءاً من رسالة وطنية وإنسانية تستشرف المستقبل. وهي جهود تستحق كل التقدير والإشادة، لأنها تعكس رؤية الأمير الشاب الذي يحمل طموحات وطنه إلى آفاق أوسع، ويؤمن بأن الاستثمار في الإنسان، وصون البيئة، وتعزيز السلام هي الركائز الأساسية لبناء أردن أكثر ازدهاراً واستدامة وعدالة للأجيال القادمة.
 
المحامي الدكتور علي سليم الحموري 
عضو هيئة التدريس بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة
رئيس جمعية استشراف المستقبل للحقوق البيئية والعدالة المناخية