*صراع الأجيال مع "الماضي المقدس" هل تبتلع العولمة الهويات المحلية؟*

د. عمّار محمد الرجوب



ليس في هذا الوجود ما يثير الحيرة بقدر تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان بين جدارين جدار ماضٍ يراه مقدساً ويطالبه بالولاء المطلق، وجدار حاضر يعولمه بقسوة ويطالبه بالانفلات من كل قيد. إنها المعركة الصامتة التي تدور اليوم في وعي الأجيال، حيث اهتزت الأرض تحت الأقدام بفعل ضربات التكنولوجيا التي ألغت الحدود وهدمت المسافات, لتضع الهويات المحلية كلها في مهب ريح عاتية. هذا التنازع ليس مجرد خلاف عائلي عابر بين جيل يتمسك بالقديم وجيل يركض خلف الحديث، بل هو مخاض وجودي شرس، وتحديداً في تلك البقعة من العالم التي يمتزج فيها التاريخ بالتراب، كالأردن الذي يقف ممتداً من عمق الأصالة والنخوة والضمير الجمعي، إلى قلب العصر الرقمي الصاخب. فهل نحن أمام جيل جديد يتحرر من عبء التاريخ ليصنع غده، أم أننا نشهد ولادة قطيع كوني يساق نحو تنميط ثقافي مرعب يبتلع كل ما هو أصيل؟
ومن الناحية النفسية والاجتماعية، يعيش الإنسان المعاصر اليوم انفصاماً حاداً؛ فهو يولد في بيئة محكومة بمنظومة من القيم والعادات والموروثات التي تشكلت عبر قرون لحماية الجماعة ومنحها الأمان، لكنه في الوقت عينه يفتح عينيه على شاشة زرقاء مساحتها بضع بوصات، تعيد صياغة مفاهيمه عن الجمال والنجاح والحرية وفق معايير عابرة للقارات. إن الهوية المحلية ليست مجرد فلكلور أو ثوب مطرز؛ إنها المعنى الإنساني المقطر الذي يمنح الفرد شعوراً بالانتماء، وعندما تأتي العولمة بقطارها السريع لتسوية الخصوصيات بالأرض وتحويل الثقافات إلى سلع استهلاكية متشابهة، فإنها لا تُحدّث المجتمعات، بل تصيبها بـ "الأنيميا الثقافية". يصبح الشباب مستهلكين لثقافة لا يشبهون تفاصيلها، وفي ذات الوقت، يجدون أنفسهم مغتربين عن لغة أجدادهم وإرثهم الذي يرونه أحياناً جداراً ثقيلاً يعيق حركتهم نحو المستقبل. هذا التنازع يولد قلقاً وجودياً غير مسبوق، فالشاب في مجتمعنا يجد نفسه مطالبًا بأن يكون وفياً لكرم الصحراء وقيم العشيرة الإيجابية، وفي ذات الوقت مرناً وفردانياً ليوائم شروط السوق العالمية.
ولعل العمق الفلسفي لهذه الأزمة يكمن في مسألة "الزمن الثقافي"، إذ لم يعد الوقت يتدفق في اتجاه واحد. إن الشباب اليوم يعيشون في الحاضر بأجسادهم، وفي المستقبل الافتراضي بعقولهم، بينما تُسحب أرواحهم باستمرار إلى الماضي بروابطه العاطفية والتزاماته الأخلاقية. هذا التشظي الزمني يجعل من الهوية فضاءً قلقاً وغير مستقر؛ فالماضي عندما يُحاط بهالة التقديس المطلق والجمود، يتحول من مرساة تحمي السفينة إلى ثقل يغرقها في قاع التاريخ. وبالمقابل، فإن العولمة الحالية لا تقدم حداثة حقيقية بل تقدم "سيولة معرفية" تسلخ الكائن من جذوره دون أن تمنحه أرضاً صلبة يقف عليها، ليصبح الإنسان مجرد كائن عابر بلا ذاكرة، يعيش على هامش المعنى ويقتات على ما تنتجه المصانع الثقافية الكبرى.
إن العولمة لا تهدم الجدران لتمنحنا الأفق، بل تهدمها لتبني فوق أنقاضنا مصنعاً كبيراً لإنتاج الإنسان المتشابه، والبطولة الحقيقية اليوم ليست في اللحاق بقطار الحداثة، بل في امتلاك القدرة على تحديد محطته وأنت ترتدي عباءتك الخاصة.
وأقول أنا: إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تأثر الشباب بالشرق أو الغرب، فالإنسان كائن متطور بطبعه، بل يكمن في الاستلاب الكامل، أن تفقد المجتمعات قدرتها على إنتاج المعنى محلياً وتتحول إلى مجرد صدى لأصوات تأتي من بعيد. إن صراع الأجيال اليوم يجب ألا يُدار كحرب إبادة بين ماضٍ جامد ومستقبل هلامي، بل كحوار نقدي شجاع يعيد غربلة التراث ليأخذ منه الحيوي ويترك الميت، ويستقبل الحداثة بعقل فاحص لا بعين مبهورة. ولن تبتلع العولمة الهويات المحلية إلا إذا استسلمت هذه الهويات لمركب النقص وآثرت الانتحار الثقافي، فالماضي يكون مقدساً فقط عندما يكون دافعاً للحياة لا كفناً يلف الأحياء.
إن الرهان الحقيقي على وعي هذا الجيل الجديد يكمن في قدرته الفذة على تفكيك هذه الجدلية، أن يكون كونياً في تطلعاته ومعارفه، محلياً وجذرياً في انتمائه وأصالته. لن تسقط الهويات التي تمتلك عمقاً إنسانياً وتاريخياً كالهوية الأردنية والعربية، بل ستعيد ابتكار نفسها من جديد، لتثبت للعالم أن الحداثة ليست قيداً يوضع في معصم التاريخ، بل هي جناح ينطلق به التاريخ نحو آفاق لم تطأها قدم من قبل. إنها معركة الوعي، والوعي وحده هو من سيكتب السطر الأخير.