لم نهتف للأردن وحدنا...بل هتف معنا كل العرب
لم نهتف للأردن وحدنا...بل هتف معنا كل العرب
عبدالله موسى الطراونة / لوس أنجلوس
ما شهده العالم من حضور أردني مشرّف في مدرجات كرة القدم لم يكن مجرد مشهد رياضي. لقد كان إعلان فخر وطني كُتب بماء الذهب، وقدّم فيه الأردنيون للعالم أجمع درساً في السمو والكبرياء والانتماء الذي لا يُشترى.
الفخر والسمو ومشاعر الاعتزاز والانتماء للأردن، والتسابق لرفع اسم الأردن وإظهاره والترويج له، كان عقيدة راسخة في قلب كل أردني. تجلّى ذلك بأبهى صوره في أبناء الجالية الأردنية المقيمين في أمريكا، الذين تركوا أعمالهم وبيوتهم وتفرّغوا من التزاماتهم، لا لشيء إلا للاندماج والالتحام مع إخوانهم القادمين من أرض الوطن، ليكونوا صفاً واحداً في مساندة منتخب النشامى. كانوا يتسابقون في الخدمة، ويتفانون في الترحيب، ويتنافسون في إظهار صورة الأردن المشرقة.
وأنا بوجودي هنا في أمريكا حيث أدرس، شعرت بالفخر يملأ صدري وبأن رأسي يعلو ويرتفع بين زملائي وجيراني. لقد رأوا الأردن في عيوننا وسلوكنا، ولمسوا معدن الأردنيين بأخلاقهم والتزامهم وحبهم لوطنهم. كانت أسئلتهم وانبهارهم بما شاهدوه من تلاحم وح
ضور مشرف تجعلني أقول في نفسي: هذا هو الأردن الذي أنتمي إليه، وهذا هو الشعب الذي أفاخر به الدنيا. صار اسم الأردن على كل لسان، وصار علمنا مألوفاً ومحبوباً في كل مكان.
وأصبح العلم الأردني سفيراً بلا حدود. تراه يرفرف في المدرجات، ويزيّن شوارع المدن الأمريكية، ويطل من نوافذ السيارات، ويعلو في الساحات. أينما كنت، كان العلم الأردني حاضراً يقول للعالم: "هنا الأردن". لم يعد مجرد راية، بل صار هوية تمشي على الأرض، وكرامة تُرفع على الأكتاف، ورسالة فخر نرسلها للدنيا كلها.
والأعظم من ذلك، أن مشاركة النشامى وحّدت الأردنيين، بل وجمعت الإخوة العرب القريبين منا. رأينا الأشقاء من فلسطين وسوريا والعراق ولبنان ومصر والمغرب والخليج يقفون معنا، يهتفون معنا، يرفعون علمنا إلى جانب أعلامهم. توحدت القلوب قبل الحناجر، وذابت المسافات أمام حب الأردن. في تلك اللحظة، لم نكن نشجع منتخباً، بل كنا نعلن للعالم أن العروبة حية، وأن الأردن بيت العرب الكبير الذي يجمع ولا يفرّق.
من عمّان إلى واشنطن، حمل الأردنيون وطنهم في قلوبهم. ضحوا بالوقت والمال والجهد. خرجت العائلات كاملة: شيوخ غرست فينا حب الوطن، وشباب يحملون الراية، وأطفال كبروا قبل أوانهم على الفخر بالأردن. الشماغ الأحمر صار تاجاً على الرؤوس، ورسالة تقول: هذه أرض النشامى.
ولم يتوقف الفخر عند الهتاف. تجلّى في السلوك. قدّم المشجع الأردني والعربي معه نموذجاً في الأخلاق: احترام للمنافس، والتزام بالقانون، وتشجيع لا يخرج عن الأدب. وصور أبنائنا وهم ينظفون المدرجات جابت العالم لتقول: هذا هو معدننا.
وهذا المجد لم يصنعه المواطن وحده. كان خلفه جهد مؤسساتنا الرسمية التي سهّلت ونسّقت، وسفاراتنا التي كانت البيت الدافئ، وقطاعنا الخاص الذي أثبت أنه شريك أصيل، فدعم ورعى وساهم. تكامل الكل ليرسم لوحة عنوانها: "الأردن أولاً".
لقد حوّلنا المدرجات إلى سفارة أردنية عربية مفتوحة. سفيرها كل أردني وعربي حر، ورسالتها الكرامة، وجواز سفرها الانتماء. رفعنا الراية على أكتاف الآلاف، ورفعنا اسم الأردن بالأفعال لا بالأقوال.
هذا هو الأردن الذي نفاخر به الدنيا. وطنٌ يصنع المجد بشعبه.
هذا هو الشعب الذي إذا افتخر، أخضع التاريخ. شعبٌ إذا توحد، صار العالم له شهوداً.
وما دام الفخر يسكننا، والسمو غايتنا، ونحن صفاً واحداً تحت ظل القيادة الهاشمية، فاعلموا أن راية الأردن ستظل الأعلى، وأن اسم الأردن سيبقى الأغلى.