من يرسم أجندة التفاوض في الشرق الأوسط؟
المهندس : عميد العابد
أعادت حرب غزة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وأثبتت مرة أخرى أن تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني أو محاولة القفز فوقها لا يقود إلى الاستقرار، بل إلى المزيد من الصراعات والتوترات. فمنذ عملية "طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية، تجاوزت حدود فلسطين لتشمل لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا، وصولاً إلى المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران والتدخل الأمريكي المتزايد في هذا الصراع.
ومن الصعب قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بمعزل عن هذه التطورات. فمهما تعددت أسباب المواجهة وخلفياتها المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني أو التنافس الإقليمي، فإن الواقع يشير إلى أن طوفان الأقصى والحرب على غزة شكلا نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم أولويات المنطقة وأطلقت سلسلة من التفاعلات المتلاحقة التي أوصلت الأوضاع إلى ما نشهده اليوم. وبذلك يمكن القول إن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تمثل إحدى أبرز التداعيات السياسية والعسكرية للحرب على غزة، حتى وإن لم تكن السبب الوحيد لها.
غير أن المفارقة اللافتة تتمثل في أن القضية الفلسطينية، التي كانت الشرارة الأساسية لهذا المشهد بأكمله، غابت إلى حد كبير عن المفاوضات والتفاهمات التي رافقت التصعيد الإقليمي. فبينما انشغلت القوى الدولية والإقليمية ببحث أمن المنطقة، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وحرية الملاحة الدولية، وتوازنات القوة الإقليمية، لم تحضر فلسطين بالوزن الذي يتناسب مع مكانتها باعتبارها القضية التي فجرت أساساً هذه التحولات.
وهنا يبرز سؤال جوهري: من الذي يحدد أجندة التفاوض في الشرق الأوسط؟ وهل توجد جهة أو منظومة تتحكم في تحديد الملفات التي تُطرح على الطاولة وتلك التي يتم تجاوزها؟
في الواقع، لا توجد جهة واحدة تحتكر هذا الدور، بل تتشكل أجندات التفاوض من خلال تفاعل مصالح القوى الكبرى والدول الإقليمية وموازين القوة القائمة. وفي عالم السياسة الدولية لا تُدار الملفات وفق الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية وحدها، بل وفق حسابات المصالح والنفوذ والقدرة على التأثير. ولذلك فإن القضايا التي تمتلك أدوات ضغط حقيقية تكون أكثر حضوراً على طاولات التفاوض، بينما تتراجع القضايا الأخرى مهما بلغت عدالتها أو أهميتها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم جانب من أسباب غياب القضية الفلسطينية عن كثير من المفاوضات الإقليمية والدولية. فالمشكلة لا تكمن في تراجع أهمية فلسطين، بل في ضعف القدرة على تحويل هذه الأهمية إلى نفوذ سياسي قادر على فرضها بنداً دائماً على أجندة التفاوض.
وإذا نظرنا إلى العالم العربي والإسلامي، نجد أنه يمتلك من عناصر القوة ما يجعله قادراً نظرياً على التأثير في كثير من القرارات الدولية. فالمنطقة تضم أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وتتحكم بممرات بحرية وتجارية استراتيجية، وتمتلك ثروات معدنية هائلة وأسواقاً ضخمة وموقعاً جيوسياسياً فريداً يربط بين القارات الثلاث. ومع ذلك، فإن هذه الإمكانات لم تتحول إلى استراتيجية ضغط متكاملة تُسخَّر بصورة فعالة لخدمة القضية الفلسطينية أو لربط الاستقرار الإقليمي والدولي بإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى استخدام أدوات الضغط بصورة انفعالية أو الدخول في صدامات غير محسوبة مع العالم، بل المقصود هو بناء رؤية سياسية واقتصادية تجعل المصالح الدولية أكثر ارتباطاً بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. فالدول الناجحة في الدفاع عن مصالحها لا تعتمد فقط على قوة خطابها، بل على قدرتها في توظيف عناصر قوتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية لخدمة أهدافها الوطنية.
لكن تحميل المسؤولية بالكامل للعالم العربي أو للمجتمع الدولي لا يقدم تفسيراً كاملاً للمشهد. فالحقيقة المؤلمة أن الحالة الفلسطينية نفسها تعاني منذ سنوات من أزمة عميقة انعكست على قدرتها في التأثير وحشد الدعم وفرض حضورها في المعادلات الإقليمية والدولية.
فالانقسام السياسي، وتراجع دور المؤسسات الوطنية الجامعة، وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الموقف الفلسطيني. ولم يعد هناك الإطار الوطني القادر على تحويل الالتفاف الشعبي حول القضية إلى قوة سياسية منظمة تمتلك القدرة على التأثير في صناعة القرار الإقليمي والدولي.
لقد نجح الفلسطينيون في مراحل تاريخية سابقة في جعل قضيتهم محوراً رئيسياً في السياسات العربية والدولية، ليس فقط بسبب عدالتها، بل أيضاً بسبب وجود مشروع وطني جامع ومؤسسات تمتلك القدرة على المبادرة والتأثير. أما اليوم، فإن حالة التشرذم والضعف المؤسسي سمحت لكثير من الأطراف بالتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً إنسانياً أو أمنياً، أكثر من كونها قضية تحرر وطني يجب أن تكون في صلب أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا تغيب فلسطين عن المفاوضات؟ بل أيضاً: أين هو الطرف الفلسطيني القادر على فرض حضورها؟ فالقضايا الكبرى لا تُدرج على الطاولات لأن الآخرين يتفضلون بذلك، وإنما لأن أصحابها يمتلكون الأدوات السياسية والدبلوماسية والشعبية التي تجعل تجاوزها أمراً مكلفاً.
لقد أثبتت الحرب على غزة، وما أعقبها من تصعيد إقليمي ومواجهة أمريكية إسرائيلية مع إيران، أن فلسطين ما تزال في قلب الصراع في الشرق الأوسط، وأن تجاهلها لا يقود إلى السلام أو الاستقرار. لكن هذه المركزية في الصراع لم تتحول بعد إلى مركزية في التفاوض وصناعة القرار، وهو ما يكشف حجم الخلل القائم في موازين التأثير السياسي الفلسطيني والعربي.
ولذلك فإن المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم لا تقتصر على المطالبة بإدراج القضية الفلسطينية على أجندات التفاوض الدولية، بل تتمثل في إعادة بناء عناصر القوة الفلسطينية والعربية القادرة على فرض هذا الإدراج. فالتاريخ يؤكد أن الحقوق لا تُصان بعدالتها فقط، بل بقدرة أصحابها على تحويل هذه العدالة إلى قوة سياسية مؤثرة.
وإذا كانت طوفان الأقصى وما تلاه من أحداث قد أعاد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في معادلات المنطقة، فإن التحدي الأكبر يبقى في ترجمة هذه المركزية إلى حضور فعلي على طاولات القرار، بحيث يصبح الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط مستحيلاً من دون الحديث عن فلسطين وحقوق شعبها الوطنية المشروعة.