خبير أمن غذائي دولي يدعو إلى تحويل تجربة الشارقة لمنصة إقليمية رائدة

الزعبي: تجربة الإمارة حجر زاوية لبناء منظومة زراعية عربية متكاملة

الجيل الثاني من قمح «سبع سنابل» يعكس نجاح الانتخاب الوراثي وثبات الصفات المرغوبة

أكد مدير مركز جنيف للدراسات خبير الأمن الغذائي الدولي الدكتور فاضل الزعبي، أن تجربة إمارة الشارقة في تطوير منظومة الأمن الغذائي تمثل «حالة دراسية استثنائية» في المنطقة العربية، تستحق تفكيك عناصرها لمعرفة كيفية بناء أمن غذائي حقيقي ومستدام في بيئات قاسية جغرافياً ومناخياً.

ونوه إلى أن أهمية التجربة تربط البحث العلمي بالإنتاج التطبيقي والاستثمار طويل الأجل وكفاءة استخدام الموارد والتقنيات الزراعية الحديثة،داعياً إلى تحويلها لمنصة إقليمية رائدة لتطوير سلالات مقاومة للتغير المناخي.

وتمكنت إمارة الشارقة من ترسيخ مكانتها العالمية في تعزيز منظومة الأمن الغذائي عبر مشاريع استراتيجية مستدامة بقيادة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لدعم الإنتاج المحلي العضوي والذكي، وضمان توفير غذاء صحي وآمن بأسعار مدعومة.

وحققت الإمارة إنجازات نوعية وغير مسبوقة بتعزيز الأسواق المحلية بمنتجات غذائية تصنف من الأجود عالميا بما يحاكي توجهات دولة الإمارات العربية المتحدة نحو تحقيق الاكتفاء الغذائي المستدام ودعم الابتكار الزراعي المرتكز على البحث العلمي والتقنيات الحديثة مما يساهم في مواجهة تحديات التغير المناخي وندرة الموارد الطبيعية.

وتجاوز عدد السنابل في بعض نباتات الجيل الثاني المنتخبة من برنامج التحسين الوراثي لمشروع قمحالشارقة الـ8 سنابل، بدلاً من الحد المتعارف عليه عالمياً وهو الـ7 سنابل نتيجة جهود الإمارة في تحسين وتطوير سلالات القمح. كما سجل قمح الشارقة أعلى نسبة بروتين عالمياً، بلغت 19.3%، ويعد أول قمح عضوي بالكامل في منطقة الشرق الأوسط.

ضرورة استراتيجية

وقال الخبير الزعبي في حديث خاص لــ"المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة" إن تجربة إمارة الشارقة تمثل ضرورة استراتيجية ملحة لسد الفجوة البحثية الواضحة التي تعاني منها المنطقة العربية في تكييف المحاصيل مع الظروف المحلية القاسية.

ويرى الزعبي الذي شغل سابقاً رئيساً لبعثة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، أنه بالرغم من وجود مؤسسات بحثية عريقة كـ "إيكاردا" والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد)، إلا أن الحاجة تظل قائمة لمنصة إقليمية تعمل كمحفز للابتكار التطبيقي الذي يربط المختبر بالحقل مباشرة، مما يجعل من تجربة الشارقة حجر زاوية لبناء منظومة زراعية عربية متكاملة.

وقال إن الفرصة الاستراتيجية اليوم مواتية، نحو رؤية موحدة للأمن الغذائي؛ فالتحديات المناخية المتسارعة التي تواجهها المنطقة لا يمكن التصدي لها بجهود منفردة، بل من خلال منصات إقليمية تكنولوجية قوية تضع العلم في خدمة البقاء والازدهار الاقتصادي.

وبين الزعبي أن الشارقة تقدم نموذجًا عمليًا لاستراتيجية غذائية رشيدة في بيئة جافة، ترتكز إلى بناء منظومة مرنة تجمع بين الإنتاج المحلي الذكي، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، وإدارة المياه، والاستثمار طويل الأجل.

وقال إن التحدي القادم يتمثل في تحويل هذه المبادرات الرائدة إلى منظومة قابلة للتوسع والتكرار إقليميًا، وهو ما تمتلك الشارقة أسسه الفنية والمعرفية.

صندوق رمل

وقال الدكتور فاضل الزعبي إن نموذج الشارقة يقدم "صندوق رمل" أو بيئة اختبار حقيقية لتطبيقها في مناطق أخرى صحراوية أو شبه صحراوية.

ولفت إلى أن نموذج الشارقة يثبت أن الأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعتمد فقط على وفرة الأنهار أو الأراضي الخصبة، بل يعتمد بالدرجة الأولى على البيانات والتكنولوجيا والإرادة والبحث العلمي.

ونوه إلى أن النموذج في الشارقة يرتكز إلى فرضية مفادها أن البيئة الصحراوية ليست عائقاً مطلقاً أمام الإنتاج الزراعي، بل بيئة تتطلب توليفة محددة من تحسين السلالات، وكفاءة استخدام المياه، والإدارة الزراعية الدقيقة، داعياً إلى تحويل هذه المبادرات الرائدة إلى منظومة قابلة للتوسع والتكرار على المستوى الإقليمي.

وأوضح الزعبي أن ما يميز نموذج الشارقة أنه انتقل من منطق تأمين الغذاء عبر الاستيراد فقط، إلى منطق توطين جزء من الإنتاج في سلع استراتيجية مختارة، وفي مقدمتها القمح والألبان، ضمن رؤية تقوم على بناء المرونة الغذائية.

عصب الأمن الغذائي

وقال الخبير الزعبي "زراعة القمح، الذي يعد عصب الأمن الغذائي، توفر درعاً واقياً ضد صدمات سلاسل التوريد العالمية التي رأيناها خلال الأزمات الجيوسياسية الأخيرة" مشيراً إلى أن المزاوجة بين البحث العلمي الأكاديمي والتطبيق الحقلي حوّلت الحقول إلى مختبرات مفتوحة.

وضمن تفكيك الزعبي لتجربة الشارقة نوه إلى جهود الإمارة في تحسين السلالات مع الحرص على الزراعة النظيفة بالتركيز على الإنتاج العضوي الخالي من المبيدات، وهو ما يرفع من القيمة الاقتصادية والصحية للمنتج المحلي ويجعله منافساً للمنتج المستورد مع توفر تكنولوجيا الإدارة الدقيقة وحوكمة الموارد (الزراعة الذكية مناخياً).

وبين مدير مركز جنيف للدراسات أن الشارقة تمكنت من التصدي لتحديات البيئة الصحراوية بـ "الزراعة الدقيقة" التي تتضمن كفاءة الري باستخدام الذكاء الاصطناعي، والمستشعرات الأرضية، وصور الأقمار الصناعية لتحديد كميات المياه الدقيقة التي يحتاجها كل جزء من المزرعة، مما يقلل الهدر المائي (الذي يعد التحدي الأكبر في العالم العربي) إلى الحد الأدنى.

وبين أن المعيار العالمي للاستدامة في البيئات الجافة، ليس تخفيض المساحات الزراعية بشكل مطلق، بل السعي المستمر لرفع الكفاءة الإنتاجية والاقتصادية لكل قطرة مياه، مع إدارة الميزان الكلي للمياه الافتراضية بوصفه أداة سيادية لإدارة الموارد.

الزراعة الدقيقة

أوضح الزعبي أن التقنيات الحديثة يمكن أن تخفض نقطة التحول الاقتصادي في مشاريع الأمن الغذائي، من خلال أدوات الزراعة الدقيقة مبيناً أن هذه الأدوات قادرة على رفع الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 20 و40 بالمئة، مع خفض استهلاك المياه بنسبة قد تصل إلى 30 بالمئة، وتقليل المدخلات الكيميائية بصورة ملموسة.

ولفت الزعبي إلى أن مشاريع الأمن الغذائي في بدايتها تتطلب نفقات رأسمالية عالية كونها تتطلب بنية تحتية وتكنولوجيا ري وأبحاث متخصصة مشيراً إلى أن الشارقة تعاملت مع مشروعها كاستثمار تنموي طويل المدى لا يُنتظر منه ربح مالي سريع، بل "عائد أمني" طويل الأجل.

وقال إن الإدارة الرشيدة للأمن الغذائي في البيئات الجافة لا تسعى للاكتفاء الذاتي المطلق، بل تُدير المنظومة كمحفظة موزّعة تجمع بين إنتاج محلي عالي القيمة المائية والاقتصادية، واستيراد ذكي ومتنوّع جغرافياً للسلع كثيفة الاستهلاك المائي، واستثمار زراعي عابر للحدود في دول ذات وفرة مائية.

8 سنابل

وأشار الزعبي إلى أن مشروع القمح في الشارقة، ومنتج «سبع سنابل»، يطرح تجربة متقدمة علميًا وإنتاجيًا، خصوصًا بعد تسجيل نسبة بروتين بلغت 19.3%، وهي نسبة وصفها بأنها «لافتة بكل المقاييس الفنية»، إذ إن متوسط البروتين في القمح الطري عالميًا يتراوح عادة بين 10 و13بالمئة ، وفي القمح الصلب بين 12 و15 بالمئة.

وبيّن أن الوصول إلى هذه النسبة يضع المنتج ضمن شريحة القمح فائق الجودة المخصص لاستخدامات متخصصة، ولا يتحقق صدفة، بل يتطلب تضافر مادة وراثية متفوقة، وإدارة زراعية دقيقة، وبيئة إنتاج مضبوطة.

وأضاف أن تطور الجيل الثاني في برنامج التحسين الوراثي لمشروعقمح «سبع سنابل» وتجاوز عدد السنابل ثمانية في بعض النباتات المنتخبة. يشير إلى نجاح ملموس في برنامج التهجين والانتخاب الوراثي وثبات الصفات المرغوبة خلال الأجيال الانعزالية، وهذايمثل خطوة جوهرية باتجاه تطوير صنف زراعي محلي قادر على المنافسة وملائم للظروف البيئية الجافة.

وفيما يتعلق بمزرعة مليحة للألبان، وصف الزعبي تجربة إنتاج الحليب العضوي بالكامل في بيئة صحراوية بأنها تحدٍ تقني من الدرجة الأولى، نظرًا لما يتطلبه الإنتاج العضوي من علف عضوي معتمد وسلسلة قيمة متكاملة تبدأ من إنتاج العلف وصولًا إلى التصنيع.

واعتبر أن أهمية التجربة لا تقتصر على المنتج النهائي، بل في كونها مختبرًا تطبيقيًا لاختبار حدود الإنتاج العضوي في البيئات الحارة، بما يفتح آفاقًا للتعميم في المنطقة وبناء قاعدة معرفية بحثية.

وقال الزعبي "نجاح مزرعة مليحة يدل على تكامل عمودي حقيقي في سلسلة القيمة، من إنتاج العلف إلى التصنيع".

المبادرات الذكية

اعتبر الزعبي أن المبادرات الزراعية الذكية، مثل تجربة الشارقة، تكتسب أهميتها من قدرتها على تقديم حلول عملية للتكيف مع المناخ، عبر تطوير سلالات مقاومة للحرارة والجفاف والملوحة، وتحسين إدارة المياه، وتوسيع استخدام الزراعة المحمية والمائية في السلع عالية القيمة.

وأشار إلى أن الاستثمار في سلاسل التبريد، والتخزين، والتعبئة، والبنية اللوجستية يعد من أعلى استثمارات الأمن الغذائي مردودًا، لأنه يحافظ على غذاء موجود بالفعل من دون استنزاف موارد إضافية.


انتهى