لن نترك النشامى وحدهم
د. حازم قشوع
نجح الأردن، في أولى مشاركاته المونديالية، في تقديم نموذج فريد في طابعه كما في مضمونه العام؛ إذ استطاع أن يحفّز الشارع العربي بصورة إيجابية لحضور مباراته الأولى في كأس العالم. وقد تجلّى ذلك بحضور نحو 42 ألف مشجع عربي ومناصر للأردن، دفعوا قيمة تذاكر قاربت (450 دينارًا أردنيًا)، ليهتفوا للأردن، كما لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني عند دخوله إلى الاستاد، مرددين: حيا الله… حيا الله… حسين بن عبدالله.
ويعني ذلك أن ما يقارب ثلثي الحضور كانوا من أنصار الأردن، من أصل نحو 63 ألف متفرج في ملعب "ليفاي" بمدينة سان فرانسيسكو، في ولاية كاليفورنيا الأمريكية. ولم يقتصر الحضور الأردني على المدرجات فحسب، بل تجلّى أيضًا في تنظيم مسيرة جماهيرية على هيئة "الفاردة" الأردنية، شارك فيها نحو 7 آلاف أردني، في مشهد كرنفالي لافت أُغلقت خلاله معظم مداخل الملعب الأيقوني، الذي يُعد أحد أبرز ملاعب منطقة خليج سان فرانسيسكو، ويخدم مدن سان فرانسيسكو وأوكلاند وسان خوسيه.
وتُعد هذه المدينة من أكثر المدن الأمريكية حيوية واكتظاظًا بعد نيويورك، وهو ما يضفي على الحدث بعدًا حضاريًا إضافيًا، لا سيما أنها عُرفت تاريخيًا باسم "يربا بوينا"، قبل أن ترتبط باسم القديس فرانسيس الأسيزي، مؤسس الرهبنة الفرنسيسكانية. ومن هنا، تبرز أهمية توجيه كلمة شكر وتقدير لعمدة المدينة "دانيال لوري" على ما قدّمه من تسهيلات أسهمت في إنجاح هذا الحدث.
أما على صعيد المواجهة، فقد جمعت المباراة الأردن بالمنتخب النمساوي، الذي يحتل المرتبة (22) في التصنيف الدولي، مقابل (67) للأردن. وعلى الرغم من ذلك، كانت الرهانات تميل لصالح الأردن بصورة استثنائية. غير أن محصلة المباراة كشفت عن عامل بالغ الأهمية، يتمثل فيما يمكن تسميته بـ"مؤشر الثبات الانفعالي"، الذي بدا متذبذبًا لدى بعض اللاعبين في ظل رهبة الظهور الأول على مسرح المونديال، وهو ما انعكس على الأداء، وفق تقديرات خبراء فنيين.
ورغم ذلك، فإن مجرد مشاهدة العلم الأردني يرفرف في سماء المونديال للمرة الأولى تختصر قصة نجاح وطنية بامتياز، وتؤكد أن الأردن—دولةً ونشامى—أضحى محط آمال عربية، تتجسد فيه معاني العروبة والقيم، مقرونة بروح الشهامة التي ميّزت مواقف الدولة الأردنية بمختلف مؤسساتها.
وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، ترسّخت صورة الأردن بوصفه عنوان رجاء، ومنصة أمل، تعبّر عن رسالة وطنية جامعة، نجحت في تجسيد اللحمة الوطنية بصورة عملية؛ يعبّر عنها هذا الحضور الجماهيري اللافت في الملعب، كما في المدرج الروماني، الذي أُعيد إحياؤه بهذا الحضور الضخم بحضور رئيس الوزراء جعفر حسان وقد.توافد عشرات
الالاف بعد صلاة الفجر، رافعًا الأكف بالدعاء: "يا رب… عليك التواكيل". كما تجسّدها مواقف اللاعبين داخل الملعب، ولا سيما لقطة اللاعب علي علوان، الذي وعد يزن النعيمات بتسجيل الهدف الأول، ورفع قميصه تعبيرًا عن "الغائب الحاضر"، في واحدة من أكثر اللحظات دلالةً وإنسانيةً في هذا الظهور المونديالي.
إنها ليست مجرد مشاركة عابرة، بل بداية مسار جديد تُكتب فيه ملامح الحضور الأردني على الساحة العالمية… بثقة، وهوية، وحلمٍ يكبر. وهذا ما ننتظر أن نراه في مباريات النشامى المقبلة، وهو ما يجعلنا نقول: لن نترك النشامى وحدهم؛ فهم يمثلون الأمل والرجاء، وتشكل مشاركتهم ظاهرة تحمل رسالة تكشف عن إرادة شعبٍ أراد الحياة، وتحدّى الصعاب والمحن من أجل تحقيق منجزٍ نراه ماثلًا بقميص النشامى.