الدراسات العليا بين وهم التوسع وتراكم الالقاب وغياب الإنتاج العلمي
نضال البحري
في السنوات الأخيرة، توسعت برامج الدراسات العليا في كثير من الجامعات، بشكل لافت، حتى بات الحصول على الماجستير والدكتوراه هدفًا واسع الانتشار، لا يرتبط دائمًا بالإنتاج العلمي بقدر ما يرتبط بالمكانة الاجتماعية أو الترقّي الوظيفي. غير أن هذا التوسع الكمي لم يرافقه تعمّق نوعي في الإنتاج البحثي، فبدأت الفجوة تتسع بين "الشهادة العلمية" و"المعرفة المنتجة".
ان الأصل في برامج الدراسات العليا، أنها ليست امتدادًا شكليًا للتعليم الجامعي، بل مرحلة إنتاج معرفة جديدة تخدم الدولة والمجتمع والاقتصاد. فهي الأداة التي يُفترض أن ترفد مؤسسات الدولة بالحلول، وتدعم السياسات العامة، وتطوّر القطاعات الإنتاجية، وتبني قاعدة بحثية قادرة على المنافسة عالميًا. لكن الواقع في كثير من السياقات يُظهر تحول هذه البرامج إلى مسار أكاديمي مغلق على ذاته، ينتج رسائل متكررة أو دراسات محدودة الأثر تُنجز غالبًا بهدف التخرج، لا بهدف التأثير.
تتجلى الإشكالية حين تصبح الرسائل الجامعية إعادة إنتاج لما هو قائم، أو تكرارًا لأبحاث سابقة دون إضافة معرفية حقيقية. وما نشاهده اليوم، وفي كثير من الحالات، انفصال البحث العلمي عن احتياجات الدولة الفعلية والمعرفية، فتُهمل قضايا مركزية مثل الاقتصاد، والإدارة العامة، والتعليم، والصحة، مقابل موضوعات نظرية أو شكلية لا تمسّ الواقع التنموي.
هذا الانفصال بين الجامعة والمجتمع أنتج تراكمًا في "رأس المال الشهاداتي" مقابل ضعف في "رأس المال المعرفي". فالشهادة العليا أصبحت أداة للترقي الوظيفي أو تعزيز المكانة الاجتماعية، لا وسيلة لإنتاج معرفة أو تطوير سياسات عامة. ومع الوقت، يتوسع عدد الحاصلين على درجات عليا، بينما يظل الأثر البحثي في الواقع محدودًا أو شبه غائب.
والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات الأكاديمية بدأت تنزلق نحو منطق إداري بحت في إدارة برامج الدراسات العليا، حيث تُدار باعتبارها عبئًا يجب استيعابه لا منظومة يجب تطويرها. فتتوسع تراخيص البرامج، والقبولات فيها بشكل غير مدروس، وتُخفف بعض المعايير، ويُعاد إنتاج نفس النماذج البحثية دون ربط حقيقي بين الجامعات ومراكز القرار أو احتياجات الدولة.
في المقابل، التجارب الدولية التي نجحت في تحويل التعليم العالي إلى قوة إنتاج معرفي لم تتعامل مع الدراسات العليا كمسار أكاديمي منفصل، بل ربطتها مباشرة بمشاريع الدولة الاقتصادية والتكنولوجية والتخطيطية. هناك يصبح البحث العلمي جزءًا من منظومة القرار، لا مجرد متطلب أكاديمي لنيل درجة علمية.
لكن استمرار التوسع في برامج الدراسات العليان كما هو حاصل، دون إصلاح جذري في الجودة والحوكمة الأكاديمية ينطوي على خطر استراتيجي حقيقي. فغياب القيادة الأكاديمية القادرة على إدارة أزمة التعليم العالي وتحويلها إلى مسار إصلاحي، قد يدفع هذه البرامج إلى التحول من أداة تطوير إلى عبء معرفي متراكم. وعندما تغيب الرؤية النوعية عن قطاع التعليم، ويُستبدل بها منطق الكم، فإن الجامعات تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج المعرفة، وتتحول إلى مؤسسات تمنح الشهادات بدل أن تصنع الفكر. وهذا ليس خللًا أكاديميًا فحسب، بل خلل يمس قدرة الدولة نفسها على إنتاج الحلول واتخاذ القرار المبني على المعرفة.
ومع استمرار هذا المسار، تصبح النتيجة الطبيعية هي تضخم أعداد الخريجين من برامج الدراسات العليا دون انعكاس حقيقي على التنمية أو الابتكار. فتتسع الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وبين البحث العلمي واحتياجات الدولة، ويزداد الاعتماد على المعرفة المستوردة بدل إنتاج معرفة محلية قادرة على فهم الواقع ومعالجته.
إن إعادة الاعتبار لبرامج الدراسات العليا لا تعني تقليصها بالضرورة، بل إعادة تعريف وظيفتها، قبل التوسع فيها. فهي يجب أن تتحول من مسار لإنتاج الشهادات إلى منظومة لإنتاج الحلول، ومن فضاء أكاديمي مغلق إلى ذراع معرفي للدولة والمجتمع.
في النهاية، ليست الأزمة في عدد الحاصلين على الدراسات العليا، بل في سؤال أعمق: هل نُنتج معرفة، أم نُراكم شهادات؟ وإذا استمر الاتجاه الحالي دون إصلاح جذري، فإن الخطر لن يكون أكاديميًا فقط، بل سيكون خطرًا على مستقبل المعرفة نفسها وقدرة الدولة على التطور.