الحرب تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي
الأنباط – عمر الخطيب
تتواصل تداعيات الحرب في المنطقة لتتجاوز حدود المواجهة العسكرية، ممتدة إلى بنية الاقتصاد العالمي حيث بدأت التحولات تطال أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد إلى جانب إعادة صياغة الطريقة التي تتعامل بها الدول والشركات مع المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، وفي ظل التطورات السياسية الأخيرة التي فتحت الباب أمام احتمالات تهدئة تشير المعطيات إلى أن الآثار الاقتصادية للأزمة مرشحة للاستمرار لفترة أطول بعدما أعادت رسم معادلات الأمن الاقتصادي العالمي وفرضت واقعا جديدا على أسواق الطاقة والتجارة بحسب تقديرات البنك الدولي .
ويبرز مضيق هرمز كأحد أكثر نقاط التحول حساسية في هذا السياق باعتباره ممرا استراتيجيا للطاقة العالمية إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية عبرت المضيق خلال عام 2025 بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرا ما يجعل أي اضطراب فيه عاملا مباشرا في التأثير على الأسعار واستقرار سلاسل التوريد العالمية .
ومع تصاعد المخاطر بدأت العديد من الدول والشركات بإعادة النظر في نموذج التجارة التقليدي القائم على خفض التكاليف وتقليل المخزون، والاتجاه نحو نماذج أكثر مرونة وأمنا تعتمد على تنويع مسارات النقل ورفع مستويات التخزين الاستراتيجي ، كما برزت توجهات متزايدة نحو تطوير ممرات تجارية بديلة تجمع بين الموانئ والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب بحيث لم تعد هذه البنى التحتية مجرد وسائل نقل وإنما أصبحت جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي للدول .
وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، خفض البنك الدولي توقعاته للنمو خلال عام 2026 إلى 2.5% مقارنة مع 2.9% في عام 2025، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط التضخمية وارتفاع كلف التمويل، محذرا من أن استمرار اضطرابات الطاقة والأسواق المالية قد يدفع النمو إلى مستويات أقل من ذلك، وتشير هذه التطورات إلى أن الحرب دفعت الاقتصاد العالمي نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"اقتصاد المخاطر" حيث أصبحت الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات التجارية والأمن الغذائي عناصر مترابطة في حسابات الدول الاقتصادية والاستراتيجية وفق ما تظهره بيانات البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية.
وفي وقت هذا التحول تتزايد أهمية الممرات التجارية البديلة بالإضافة الى اتجاه الشركات إلى تعزيز المخزون الاستراتيجي وتسارع الاستثمار في الطاقة المتجددة باعتبارها جزءا من أمن الطاقة وليس مجرد خيار بيئي وبذلك لم تعد الحرب مجرد أزمة عابرة في أسواق النفط والتجارة العالمية بل أصبحت عاملا رئيسيا في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي.