كتب عبد الرحمن ابو حاكمة :جمال زهران... آخر رواد وسط البلد

جمال زهران... آخر رواد وسط البلد

وسط البلد في عمان فقد واحداً من معالمه التي لا تُذكر في الخرائط، لكنها محفورة في ذاكرة المكان... قبل ايام، رحل جمال زهران، الصحفي والكاتب الذي كان حضوره اليومي بين درج الكلحة ومقهى السنترال وكشك مكتبة الطليعة جزءاً من إيقاع الشارع، حتى صار هو نفسه معلماً من معالم عمان القديمة.

قليل الكلام، كبير القلب

جمال من الناس الذين كان حضورهم أكبر من كلامهم.. طيب القلب، صمته طاغٍ، لا يتحدث إلا نادراً، وكأن الكلمات عنده ثمينة لا تُصرف إلا للضرورة... لكنه كان يسأل.. يسأل عنك إذا غبت عن وسط البلد يومين أو ثلاثة.. مكالمة هاتفية قصيرة بصوته الهادئ: "وينك؟ مش مبين".. لا يطلب منك شيئا رغم حاجته، لكنه يتفقدك في زمن صار فيه السؤال عملة نادرة، كان جمال يوزعه على أصحابه بلا حساب، رغم وجعه ومرضه وفقره.

قهوة، سجائر، وكتاب 

يكفيه أنه أهداني واخرين نسخة من ديوانه "ما تبقى من الروح" بخط يده.. لا أذكر ماذا كتب، لكني أذكر يده المرتجفة وهي تمده لي.. كنا نشرب القهوة والسجائر معاً في مقهى السنترال، أو نفطر سوياً في أحد مطاعم وسط البلد.. فطور بسيط، قهوة مرة، وسيجارتين.. لم نكن نملك الكثير، لكن كنا نملك الوقت والشارع.. جمال كان يؤمن أن الصداقة تقاس بعدد السجائر التي دخنتها مع صاحبك، وعدد المرات التي شربت فيها قهوتك معه دون موعد.

من "اليرموك" إلى ألمانيا... وبداية الوجع

تخرج جمال من جامعة اليرموك في الثمانينات، وهو من جيل كان يحلم بالكلمة وبالوطن وبالتغيير.. سافر إلى ألمانيا ومكث هناك سنوات.. لا أحد يعرف تماماً ما الذي حدث له في الغربة، لكنه عاد منها محملاً بما سماه أصدقاؤه "مأساته".. عاد إلى عمان، لا يحمل إلا قلمه وذاكرة مثقلة. 

عمل في عدد من الصحف الأردنية.. كان يكتب بحس مرهف وبوجع خاص، لكن الصحافة، كما يعرفها من عاشها، لا ترحم المرهقين.. سنوات طويلة قضاها عاطلاً عن العمل، بلا راتب، بلا تأمين، بلا جهة تسند ظهره.

مدخن، مريض، وحيد

من رآه في السنوات الأخيرة يعرف القصة كاملة دون أن تُحكى.. مدخن شره، سيجارة لا تفارق يده حتى لو لم يجد ثمن العلبة القادمة.. مريض يتنقل بين المقاهي وأرصفة وسط البلد، غالباً لا يملك ثمن الدواء ولا كلفة مراجعة المستشفى. 
المؤلم أن الجهات التي يفترض أنها ترعى المثقف، تخلت عنه تماماً.. لم يُقدَّم له دعم، لم يُسأل احد من هذه الجهات عن حاله.. كان يموت ببطء على مرأى من الجميع، في المدينة التي أحبها وكتب عنها.

"ما تبقى من الروح"

رغم كل شيء، لم يتخلَّ جمال عن الكتابة.. أصدر ديوان شعر بعنوان "ما تبقى من الروح" – والعنوان وحده كان تلخيصاً لحياته.. ما تبقى فعلاً من روحه وضعه في قصائد.. النسخة التي أهداني إياها أحتفظ بها، كأنها آخر ما تبقى منه.

اليوم، بعد رحيله، امتلأت صفحات الفيسبوك بمقالات النعي.. زملاء كتبوا عنه بحرقة، استذكروا مواقفه، ندموا على تقصير، وبكوا رجلاً كان يمر بهم كل يوم ولا ينتبهون أن وجوده كان شهادة على تحولات وسط البلد وتحولاتنا نحن.

لماذا نكتب بعد فوات الأوان؟

قصة جمال زهران ليست استثناء.. هي قصة عشرات المثقفين والكتاب الذين تطحنهم الحياة في الزوايا، بينما نكرمهم بعد الموت بالكلمات.. كان يجلس على درج الكلحة كأنه تمثال منسي، يشرب قهوته في السنترال كأنه جزء من ديكور المقهى، ويقلب الكتب في كشك الطليعة كأنه يحرس ذاكرة المدينة.

مات جمال، لكن السؤال الذي تركه أكبر من النعي: كم جمال زهران آخر يمشي الآن في وسط البلد، بلا دواء، بلا عمل، بلا التفاتة؟ كم كاتباً سيصدر ديوانه الأخير بعنوان "ما تبقى من الروح" لأن الروح نفسها استُنزفت؟

وسط البلد اليوم أنقص من رجل.. والدرج الذي كان يجلس عليه سيبدو غريباً بدونه.. الطاولة في السنترال التي كنا نقتسم عليها القهوة والسجائر ستظل فارغة. 

رحم الله جمال... وعذراً لأننا لم نرك إلا حين غبت.. وعذراً لأنك كنت تسأل عنا، ولم نسأل كيف حالك بما يكفي