القرارات التي لا تُقرأ بالأرقام...بل بقوة الدولة
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
في السياسة، لا تُقاس قوة الحكومات فقط بحجم احتياطياتها النقدية أو مؤشرات نموها أو تصنيفاتها الائتمانية، بل بقدرتها على حماية مجتمعها والحفاظ على تماسكه وهي تعبر أكثر اللحظات تعقيدًا وضغطًا. فالدول الحقيقية لا تُختبر في سنوات الوفرة، بل في السنوات الثقيلة؛ حين تصبح كل معادلة اقتصادية محاطة بالقلق، وكل قرار مالي مرتبطًا مباشرة بأسئلة الاستقرار والثقة والعقد الاجتماعي. ومن هنا، فإن الدولة التي تستطيع أن تتخذ قرارات اقتصادية واجتماعية متوازنة دون أن تفقد ثقة مجتمعها أو استقرار مؤسساتها، هي دولة لا تدير الاقتصاد بالأرقام وحدها، بل تديره بفهم عميق لمعنى الأمن الوطني، ولحقيقة أن حماية الإنسان في أوقات الضغط ليست عبئًا على الدولة، بل أحد أهم مصادر قوتها.
ومن هذا المنطلق، تبدو القرارات الاقتصادية والاجتماعية الأخيرة للحكومة أبعد بكثير من مجرد إجراءات مالية أو إدارية تقليدية؛ إنها قرارات ذات أبعاد "جيواجتماعية"، لأن أثرها لا يتوقف عند حدود الرواتب أو الدعم أو الإنفاق، بل يمتد إلى تعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع في زمن تتعرض فيه الاقتصادات الهشة لضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة.
فالمنطقة بأكملها تعيش حالة اضطراب ثقيلة؛ حروب ممتدة، واختلالات في سلاسل التوريد، وتقلبات في أسعار الطاقة والشحن، وضغوط اقتصادية عالمية متزايدة، فيما يقف الأردن وسط هذا المشهد محاطًا بتحديات تفوق قدراته الطبيعية بكثير. وفي مثل هذه الظروف، كان بإمكان أي حكومة أن تلجأ إلى الخيار الأسهل، تقليص الإنفاق الاجتماعي وترك المواطن يواجه وحده قسوة السوق وتآكل القوة الشرائية. لكن ما جرى حمل رسالة مختلفة تمامًا.
فحين تقرر الدولة زيادة رواتب ما يقارب 700 ألف موظف ومتقاعد وعامل (حسب ما توفر من معلومات)، وبتكلفة سنوية تُقدَّر بحوالي 252 مليون دينار، فإن القضية لا تُقرأ فقط من زاوية الكلفة المالية، بل من زاوية الفلسفة السياسية والاجتماعية للدولة نفسها. لأن هذه الزيادة، في توقيتها وظروفها، تحمل معنى يتجاوز الرقم؛ إنها تأكيد على أن الاستقرار الاجتماعي ليس ترفًا اقتصاديًا، بل بل ضرورة سياسية واستراتيجية، وجزء من الأمن الوطني، وأن حماية الطبقة الوسطى والفئات الأقل دخلًا أصبحت ضرورة للحفاظ على تماسك المجتمع وتعزيز ثقته بمؤسسات الدولة.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن المجتمعات لا تفقد توازنها بسبب الأزمات الاقتصادية وحدها، بل حين يشعر الناس بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة القلق المعيشي. فالجوع لا يهدد الأسواق فقط، بل يهدد الثقة، والضغط الاقتصادي لا يستهلك الدخل وحده، بل يستهلك الإيمان بقدرة الالحكومة على الحماية والاستجابة. ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه القرارات الحكومية، تكمن في الرسائل العميقة التي تحملها للمجتمع، ومفادها أن الحكومة، رغم الضغوط، ما تزال قادرة على الفعل، وما تزال ترى ان حماية الإنسان الأردني أساسًا للاستقرار.
وتُسجَّل للحكومة في هذا السياق خطوة إصلاحية مهمة تتمثل في التوجه نحو تخفيض ما يقارب 15% من الكلف التشغيلية للمؤسسات الرسمية، وإعادة توجيه جزء من هذه الوفورات لصالح زيادة الرواتب وتعزيز الإنفاق الرأسمالي. فهذه المقاربة تعكس تحولًا في فلسفة الإدارة الاقتصادية للحكومة من عقلية الإنفاق الإداري الجامد إلى عقلية إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، بحيث يذهب جزء أكبر من الموارد نحو الإنسان والتنمية والإنتاج. وبذلك فهي تحاول أن تبني توازنًا أكثر عدالة بين متطلبات الخزينة واحتياجات المجتمع.
كما أن تعزيز الإنفاق الرأسمالي في هذا التوقيت يحمل أهمية استراتيجية كبيرة، لأن الإنفاق الرأسمالي ليس مجرد بند مالي، بل أداة لتحفيز النمو وخلق فرص العمل ودعم الاستثمار. فالدول التي تنجح في أوقات الأزمات ليست تلك التي تجمد الإنفاق خوفًا من العجز، بل التي تعيد توجيه مواردها نحو القطاعات القادرة على توليد القيمة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي في آنٍ واحد.
وفي السياق ذاته، فإن قرار رفع الأفضلية السعرية للمنتجات الصناعية الوطنية في العطاءات الحكومية إلى 20% لا يمثل مجرد إجراء لدعم الصناعة المحلية، بل يعكس فهمًا متقدمًا لفكرة الأمن الاقتصادي الوطني. فالعالم اليوم يعيد اكتشاف أهمية الإنتاج المحلي بعد سنوات طويلة من الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية، والدول الذكية هي التي تحمي صناعاتها الوطنية وتدعم قدرتها على المنافسة والتشغيل، خصوصًا في لحظات الاضطراب العالمي.
ولا تقل أهمية القرارات المتعلقة بدعم القطاع السياحي، وشمول شركات النقل السياحي بالتسهيلات الحكومية، عن باقي الإجراءات الاقتصادية، لأن السياحة في الأردن ليست نشاطًا ماليًا عابرًا، بل قطاع يرتبط مباشرة بمستويات التشغيل والدخل في العديد من المحافظات. وكذلك الحال بالنسبة لدعم التعاونيات، وتمويل إصلاح القطاع الصحي، وبرامج الإسكان للأسر محدودة الدخل؛ فهذه ليست مجرد ملفات خدمية، بل محاولات جادة لتعزيز قدرة المجتمع على الصمود والإنتاج وتحسين جودة الحياة.
كما ان الأرقام المالية نفسها تكشف حجم التحدي الذي تتحرك داخله الحكومة. فحتى نهاية الثلث الأول من العام، ارتفعت النفقات الجارية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في وقت استمرت فيه الحكومة بتحمل كلف دعم الطاقة وحماية الأسواق من انتقال كامل كلفة الأزمة إلى المواطن. ومع ذلك، حافظت المالية العامة على قدر من الانضباط، وتحسن العجز مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يعكس محاولة حقيقية للسير في اتجاهين متوازيين، حماية الخزينة، وحماية المجتمع في الوقت نفسه.
ورغم تعقيدات المشهد الإقليمي وضغوط الاقتصاد العالمي، يبقى هناك هامش واقعي للتفاؤل بأن الاقتصاد الأردني، كنتيجة لمثل هذه القرارات، ان يكون قادراً على تحقيق نمو قد يصل الى 3%، خاصة إذا استمرت الحكومة في تحفيز الطلب المحلي، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتوسيع الإنفاق الرأسمالي، والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. فالنمو الاقتصادي لا يُصنع بالأرقام وحدها، بل بالثقة، والثقة تبدأ حين يشعر المستثمر والمواطن معًا أن هناك دولة تمتلك رؤية، وتتحرك ضمن توازن عقلاني بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية.
لكن نجاح هذه القرارات لن يُقاس بعناوين الأخبار أو التصريحات الرسمية فقط، بل بقدرتها على التحول إلى أثر ملموس في حياة الناس. وهنا تكمن القيمة السياسية الحقيقية لهذه السياسات؛ فهي لا تصدر في زمن الوفرة، بل في زمن الضغوط. فحين تستطيع الدولة أن تقدم زيادات، وتحافظ على الدعم، وتمول الإصلاح الصحي والسياحي وغيرها، بالتوازي مع الحفاظ النسبي على التوازن المالي، فإنها ترسل رسالة داخلية وخارجية بأن مؤسساتها ما تزال تمتلك القدرة على إدارة الأزمات لا مجرد التعايش معها.
الأردنيون اليوم لا يبحثون فقط عن أرقام اقتصادية مطمئنة، بل عن شعور حقيقي بأن الدولة ترى معاناتهم وتتحرك لحماية توازنهم الاجتماعي في زمن الاضطراب. فالمجتمعات لا تُبنى بالموازنات وحدها، بل بالإحساس بالإنصاف، وبوجود مؤسسات تدرك أن الإنسان ليس عبئًا على الاقتصاد، بل جوهر الاقتصاد نفسه، وهذا تحديدًا ما تحاول هذه القرارات أن تعكسه وتؤسّس له.
اليوم، ونحن نعيش مرحلة يعاد فيها تشكيل السياسة والاقتصاد والجغرافيا معًا، تبدو القرارات الجيواجتماعية" أكثر من مجرد سياسات حكومية؛ إنها تاتي في اطار حماية التوازن الأردني الدقيق بين الاقتصاد والاستقرار، بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وبين صلابة المؤسسات وكرامة المواطن. وهذا، في زمن التحولات العالمية المتسارعة، قد يكون أحد أهم أهم عناصر القوة الوطنية وأكثرها عمقًا.