إيران في مواجهة الاستنزاف (2): الفراغ الأمني وصعود مراكز القوة الجديدة

إيران في مواجهة الاستنزاف (2): الفراغ الأمني وصعود مراكز القوة الجديدة

محسن الشوبكي 

إذا كانت قراءة التهديد تمثل الخطوة الأولى لفهم السلوك الإيراني في مرحلة الاستنزاف الراهنة، فإن فهم البنية المؤسسية التي تتولى إدارة هذا التهديد يمثل الخطوة الثانية؛ فالدول لا تتصرف باعتبارها كيانات متجانسة، بل من خلال مؤسسات وأجهزة تمتلك رؤى مختلفة وأحياناً أولويات متباينة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في الحالة الإيرانية نظراً لتعقد منظومتها الأمنية وتعدد الجهات المنخرطة في إنتاج القرار وتنفيذه.
وخلال العقود الماضية، تشكلت داخل الدولة الإيرانية شبكة واسعة من المؤسسات العسكرية والاستخبارية. وفي الظروف الاعتيادية، يتيح هذا التعدد نوعاً من التوازن؛ حيث تتوزع الصلاحيات والملفات بين مؤسسات عقائدية وعملياتية كـ "الحرس الثوري"ومؤسسات بيروقراطية رسمية كـ "وزارة الاستخبارات"، تعمل جميعاً تحت مظلة تنسيقية عليا يمثلها "المجلس الأعلى للأمن القومي". غير أن فترات الأزمات الكبرى وحروب الاستنزاف غالباً ما تدفع بالمؤسسات ذات الطابع الميداني والعملياتي إلى توسيع نفوذها وتصدر المشهد، نظراً للحاجة المتزايدة لاتخاذ قرارات سريعة ترتبط بالأمن المباشر وإدارة المخاطر العاجلة.
وفي هذا السياق، تثير التطورات الأخيرة، سواء المتعلقة بالتغيرات في بعض المواقع القيادية الحساسة أو غياب بعض الكوادر المؤثرة، تساؤلات عديدة حول تأثير هذا الفراغ على توازنات المنظومة الأمنية. فحين تصبح المواجهة ذات أبعاد استخبارية، وسيبرانية، واقتصادية، وإعلامية في آن واحد، يزداد الطلب على الأجهزة القادرة على جمع معلومات وتحليلها في ظروف عالية من عدم اليقين؛ لذلك فأن شدة الضغوط قد تمنح النواة الصلبة للمؤسسة العسكرية مساحة أوسع للتأثير الأحادي في القرار، او أن النظام قد يمتلك خبرة تاريخية متراكمة في توزيع الصلاحيات وضبط الإيقاع بما يمنع هيمنة جهة واحدة بصورة مطلقة، مضحياً بأي نفوذ فئوي لصالح الحفاظ على الاستقرار المؤسسي العام.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المنظومة الأمنية الإيرانية في هذه المرحلة لا يكمن في هوية المسؤولين أو صعود وزن مؤسسة على حساب أخرى، بل في مدى قدرة هذه الهياكل المتعددة على العمل ضمن رؤية موحدة وتجنب "الإرهاق المؤسسي" الناتج عن طول أمد المواجهة. ومع تداخل الملفات الإقليمية والاقتصادية والأمنية وصعوبة الفصل بينها، تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى الجبهة الداخلية؛ فالحفاظ على كفاءة الأداء الخارجي يبقى مشروطاً بقدرة الدولة على تأمين الاستقرار المجتمعي ومنع تحوله إلى مصدر ضغط إضافي، وهو ما يجعل الساحة المحلية المحور الأكثر حساسية في خضم مواجهة الاستنزاف الحالية.

ملاحظة المقال ( ٢ من ٧) من سلسلة مقالات