الوصاية الهاشمية على المقدسات: شرعية دينية وتاريخية وخط أحمر لا يقبل المساومة .

الوصاية الهاشمية على المقدسات: شرعية دينية وتاريخية وخط أحمر لا يقبل المساومة .

عماد عبدالقادر عمرو 

في خضم التحولات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، والتغيرات المتسارعة في شكل التحالفات الإقليمية والدولية، عاد ملف القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية إلى واجهة الاستهداف السياسي، عبر تسريبات وتقارير تتحدث عن وجود تحركات أميركية وإسرائيلية لإعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى وإنهاء أو تقليص الدور الأردني التاريخي في رعاية المقدسات. وقد تبدو هذه التسريبات للبعض جزءاً من الصخب الإعلامي المعتاد، لكنها في الحقيقة تعكس خطورة مرحلة سياسية جديدة يجري العمل عليها بهدوء منذ سنوات، عنوانها إعادة تعريف القدس وتغيير هوية المسجد الأقصى ومحاولة نقل المنطقة من مرحلة الصراع السياسي إلى مرحلة إعادة هندسة دينية وجيوسياسية شاملة.

القضية هنا لا تتعلق فقط بإدارة موقع ديني أو بخلاف سياسي محدود بين أطراف إقليمية، بل تمس بصورة مباشرة أحد أخطر ملفات المنطقة وأكثرها حساسية وتعقيداً. فالوصاية الهاشمية ليست تفصيلاً بروتوكولياً أو إرثاً رمزياً قابلاً للتفاوض، بل تمثل جزءاً من الشرعية الدينية والتاريخية والسياسية والقانونية التي حافظت على هوية القدس العربية والإسلامية طوال عقود. فمنذ عام 1924 ارتبطت الوصاية الهاشمية بالقدس ارتباطاً تاريخياً ودينياً عميقاً، واستمر هذا الدور رغم الحروب والاحتلال والتقلبات الإقليمية، كما تم تثبيته قانونياً وسياسياً عبر اتفاقيات واعترافات متعددة، فيما لعب الأردن دوراً محورياً في حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم داخل المسجد الأقصى ومنع الانزلاق نحو انفجار ديني مفتوح كانت المنطقة ستدفع ثمنه كاملاً.

لكن ما يجري اليوم يكشف أن هناك داخل إسرائيل، وخصوصاً في أوساط اليمين الديني والقومي المتطرف، من يرى أن الوقت أصبح مناسباً للانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها فرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى وإضعاف أي دور عربي أو إسلامي مستقل داخل القدس. ومن هنا يمكن فهم تصاعد الاقتحامات ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني والتضييق على دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، وصولاً إلى الترويج لفكرة "الإدارة متعددة الأطراف” أو "الإدارة متعددة الأديان” للموقع. وهذه الطروحات تبدو في ظاهرها سياسية أو تنظيمية، لكنها عملياً تمثل محاولة لإلغاء الهوية الإسلامية الخالصة للمسجد الأقصى وتحويله إلى ملف تفاوضي يخضع لموازين القوة والنفوذ لا للحقوق التاريخية والقانونية والدينية.

الأخطر من ذلك أن بعض الجهات التي تعبث بملف الوصاية وتبعث بتقارير مضللة إلى واشنطن تتعامل مع القضية بعقلية أمنية قصيرة النظر، وكأن الأمر يتعلق بإعادة ترتيب إداري يمكن فرضه بالقوة أو بالضغوط السياسية. فالقدس ليست ملفاً تقنياً، والمسجد الأقصى ليس عقاراً سياسياً قابلاً لإعادة الهيكلة وفق المزاج الإسرائيلي أو حسابات بعض دوائر القرار الأميركية. وأي محاولة للمساس بالوصاية الهاشمية ستُفهم على نطاق شعبي وسياسي وديني واسع باعتبارها استهدافاً مباشراً لهوية القدس ولمكانة المسجد الأقصى، وهو ما قد يقود إلى تداعيات تتجاوز حدود المدينة المقدسة لتطال استقرار المنطقة بأسرها.

ومن يعتقد أن المنطقة يمكن أن تمرر مثل هذا التحول بهدوء يرتكب خطأً استراتيجياً بالغ الخطورة. فالوصاية الهاشمية لم تكن يوماً مجرد عنوان سياسي للأردن، بل شكلت على مدى عقود عنصر استقرار وتوازن ومنعت انزلاق القدس إلى مواجهة دينية مفتوحة. ولذلك فإن تقويض هذا الدور لن ينتج استقراراً لإسرائيل ولن يحقق مكاسب استراتيجية للولايات المتحدة، بل قد يدفع المنطقة بأكملها نحو مرحلة أكثر اضطراباً وعنفاً وتطرفاً. كما أن الرهان على إمكانية إدخال أطراف عربية أو إقليمية في ترتيبات بديلة على حساب الأردن يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر، لأن القضية هنا لا تتعلق بتقاسم أدوار أو نفوذ، بل بصراع على هوية القدس نفسها.

وفي المقابل، تحظى الوصاية الهاشمية بقدر كبير من الدعم والتأييد العربي والإسلامي والدولي، باعتبارها أحد أهم الضمانات للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس. فدول عربية وإسلامية مؤثرة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وتركيا، إلى جانب قوى دولية فاعلة مثل دول الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا وغيرها، تنظر إلى الدور الأردني باعتباره عامل استقرار وحماية للمقدسات الإسلامية والمسيحية. ويعكس هذا التأييد المتواصل مكانة الوصاية الهاشمية وما تمثله من شرعية تاريخية ودينية وقانونية، كما يؤكد نجاح الأردن في تثبيت هذا الملف على الساحة الدولية باعتباره حقاً راسخاً لا يخضع للمساومة أو إعادة التفسير وفق المتغيرات السياسية.

وفي الوقت ذاته، تشهد الساحة السياسية والإعلامية نشاطاً متزايداً لجهات إسرائيلية ومنظمات صهيونية وشخصيات مؤثرة تسعى إلى التشكيك بأهمية الوصاية الهاشمية أو التقليل من دورها، من خلال حملات إعلامية ورقمية منظمة تستهدف التأثير على الرأي العام العربي والإسلامي والدولي ومحاولة إيصال روايات بديلة إلى مراكز صنع القرار، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن هذه المحاولات ما تزال تصطدم بحقائق التاريخ والقانون وبالاعتراف الدولي المتراكم بالدور الأردني وبالقناعة الراسخة لدى العديد من الأطراف الإقليمية والدولية بأن الوصاية الهاشمية شكلت على مدار عقود صمام أمان لحماية المقدسات والحفاظ على الاستقرار في القدس.

ولعل ما يعزز صلابة الموقف الأردني في هذا الملف أن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين كان، في مختلف خطاباته ومواقفه المحلية والإقليمية والدولية، واضحاً وحاسماً في التأكيد على أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست بنداً قابلاً للتفاوض أو المساومة، وليست جزءاً من ترتيبات سياسية مؤقتة يمكن إعادة النظر فيها وفق المتغيرات الإقليمية والدولية. فقد تعامل جلالته مع هذا الملف باعتباره مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية متوارثة وركناً أساسياً من أركان حماية هوية القدس والحفاظ على مقدساتها. ومن هنا جاءت الرسالة الأردنية ثابتة وواضحة أمام العالم: الوصاية الهاشمية خط أحمر لا يقبل النقاش.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأردن، رغم كل الضغوط، بقي الطرف الأكثر اتزاناً وقدرة على إدارة ملف المقدسات بعيداً عن المزايدات والانفعالات، واستطاع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل القدس في أكثر المراحل تعقيداً. ولذلك فإن الحفاظ على الوصاية الهاشمية اليوم لم يعد مجرد موقف سياسي داعم للأردن، بل ضرورة استراتيجية لحماية المسجد الأقصى ومنع تحويل القدس إلى ساحة انفجار مفتوح لا يمكن السيطرة على نتائجه.

في النهاية، فإن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى كل من يحاول العبث بهذا الملف هي أن القدس ليست ساحة تجارب سياسية، وأن المساس بالوصاية الهاشمية لن يمر باعتباره تفصيلاً عابراً في معادلات الشرق الأوسط. فالوصاية الهاشمية ليست مجرد إرث تاريخي أو عنوان سياسي، بل ركيزة من ركائز حماية هوية القدس والحفاظ على استقرارها، وأحد الثوابت التي أثبتت قدرتها على الصمود في وجه المتغيرات والتحديات. ومن هنا، فإن أي محاولة للمساس بها لن تستهدف الأردن وحده، بل ستطال