اطلع يا أسطى

د. حازم قشوع

في لحظات التحول الكبرى، لا يكفي أن نراقب المشهد من بعيد، ولا يجدي التردد حين تصبح المسارات مفتوحة على احتمالات متباينة؛ إذ يغدو الفعل ضرورة، والانتقال خيارًا حتميًا تفرضه طبيعة المرحلة. وفي خضم هذه اللحظات، تولد عبارات عابرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى مفاتيح معنى تختصر الواقع وتعيد توجيه البوصلة. ومن بين هذه العبارات، تبرز "اطلع يا أسطى” لا بوصفها تعبيرًا شعبيًا فحسب، بل كنداء رمزي لإعلان الانطلاق، وطيّ الصفحات الثقيلة، والعبور نحو أفق جديد أكثر وضوحًا وثقة.

"اطلع يا أسطى” ليست مجرد عبارة دارجة، بل مصطلح كوميدياني متداول يُستخدم لطيّ مرحلة والانتقال إلى أخرى، أو للإعلان عن فتح صفحة جديدة. وكلمة "أسطى” (usta) ذات أصل فارسي، تعني "المعلم” أو صاحب المعرفة، لكنها انتقلت عبر الشام واكتسبت دلالات مختلفة، خصوصًا في القاهرة عند مخاطبة سائق الحنطور. كما أن كلمة "حنطور” (Hento) نفسها ذات جذور مجرية، دخلت إلى مدن كحلب والإسكندرية والقاهرة، في سياق تداخل ثقافي نتج جراء التحالفات العثمانية مع مملكة المجر والنمسا قبل اندلاع
 الحرب العالمية الاولى .

هكذا، أصبح مصطلح "اطلع يا أسطى” تعبيرًا هجينًا، لكنه
 واسع الانتشار، يُستخدم لإعطاء إشارة الانطلاق، سواء حرفيًا أو مجازيًا. وقد تبنّته مختلف طبقات المجتمع، ليحمل معاني متعددة وفق السياق؛ فيستخدمه الإعلامي تعبيرًا عن التذمر، ويستحضره السياسي لبيان موقف، فيغدو المصطلح واحدًا، بينما تتعدد دلالاته.

وفي ظل الظروف الراهنة، ينشغل الجميع بمراقبة المشهد؛ فهناك من يذهب إلى الوصف، مستندًا إلى قراءة الواقع كما هو، بينما ينشغل آخرون بالتحليل، مستشرفين المآلات، بين تهويل أحيانًا وتعليل أحيانًا أخرى. وهو ما جعل العقول أسيرة بين ما يحدث الآن وما قد يكون لاحقًا، فتتعاظم الحيطة، ويتضخم الحذر، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الحركة الإنتاجية، ويؤدي إلى تباطؤ في تنفيذ البرامج التنموية، نتيجة غياب اليقين وضبابية المستقبل القريب.

وقد أدى ذلك إلى ابتعاد ميزان الاستثمار عن المنطقة، رغم ما تملكه من فرص واعدة وأرضية اقتصادية مجدية. صحيح أن الواقع التنموي لا يزال يسجل نموًا تدريجيًا، إلا أن غياب مؤشرات الاستقرار الكافية أحدث فجوة في الثقة، ما يستدعي تدخلًا واعيًا عبر برنامج وطني شامل، يؤكد قدرة الدولة على تجاوز التحديات، كما فعلت في مراحل سابقة.

ويفترض أن يتضمن هذا البرنامج منهجية إعلامية جديدة، تُظهر الإنجازات بوضوح، وتسلّط الضوء على الفرص الاستثمارية، وترسم خريطة شمولية لمواقع الإنتاج وأعمدته، مع تقديم حوافز عملية تعزز الثقة وتدفع بعجلة الاقتصاد إلى الأمام.

لقد آن الأوان لإعادة توظيف عبارة "اطلع يا أسطى” على مستوى أوسع، لتكون دعوة جماعية للانتقال من حالة الترقب إلى الفعل، ومن التأثر بالرياح الإقليمية إلى صناعة القرار. فهذه الرياح، التي تبدلت عناوينها بين ما سُمّي بالربيع العربي، وصعود قوى التطرف، وصولًا إلى الحروب الإقليمية المشتعلة، لم تكن إلا عوامل استنزاف للبنية التحتية للدول، والبنية المجتمعية للشعوب. وهو ما يفرض تساؤلًا مشروعًا حول من تسبب بذلك، ومن سيدفع فاتورة ما جرى ويجري، ليس للآخرين، بل لمجتمعات المنطقة التي ما زالت تعاني من إسقاطات مناخات استعمارية متجددة.

ولعل التمدد الإسرائيلي، بأشكاله المختلفة، والذي أخذ يرسم مراكز نفوذ في العمق العربي، ويكرّس توسعًا حدوديًا في اتجاهات متعددة، مستفيدًا من التناقضات الإقليمية، إلى جانب محاولاته تأجيج الصراعات، بات يفرض على الدول العربية ضرورة توحيد المواقف، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري، وتوسيع الشراكات الاستثمارية والإنتاجية، حفاظًا على ما تبقى من النظام العربي، عبر الالتفاف حول الدعوات التي أطلقتها الأردن لتشكيل قوة عربية قادرة على صون الهوية وحماية الذات.

ومن هنا، فإن "اطلع يا أسطى” لم تعد مجرد عبارة تُقال، بل أصبحت موقفًا يجب أن يُتخذ، وإرادة ينبغي أن تُمارس. إنها دعوة صريحة لكسر حالة الجمود، واستعادة زمام المبادرة، وبناء فضاء عربي أكثر تماسكًا وثقة. وعندما يتحول الصوت إلى فعل قادر على المواجهة، والرؤية إلى برنامج قابل للتنفيذ، والعمل إلى إنجاز يعيد الأمل للشاب العربي، سندرك أن هذه العبارة البسيطة قد تحولت إلى عنوان مرحلة…مرحلةٍ روحها الإرادة، وعنوانها الانطلاق، وسمتها الواضحة: اطلع يا أسطى.