الحرب الإيرانية.. وفاصلة إرجاء
د. حازم قشوع
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات، لم تعد الحروب تُقاس باندلاعها فقط، بل بتوقيتها، وبالرسائل الكامنة في تأجيلها كما في إشعالها. فالمشهد الدولي اليوم يقف على حافة معادلة دقيقة، تتداخل فيها حسابات السياسة مع اعتبارات الاقتصاد، وتتقاطع فيها إرادات القوى الكبرى مع حساسيات الجغرافيا الإقليمية. وبينما تتجه الأنظار نحو بؤر التوتر في الشرق الأوسط، تبرز الأزمة الإيرانية بوصفها نموذجًا معقدًا لصراعٍ لم يكتمل، وسلامٍ لم ينضج بعد. وفي هذا السياق، تتشكل ملامح مرحلة انتقالية يمكن وصفها بـ"فاصلة الإرجاء"، حيث لا حرب تُحسم، ولا سلام يُعلن، بل مساحة زمنية مفتوحة لإعادة ترتيب الأوراق وصياغة توازنات جديدة.
لا حرب قبل الانتخابات النصفية، ولا تطبيع للعلاقات الأمريكية الإيرانية، لكن هناك حربًا مؤجلة وسلامًا يتم إسقاطه لمقتضيات أمنية تندرج في إطار الأمن الإقليمي، حيث مناسك الحج التي تنعقد في هذا الأوان، وفي بعد الأمن الدولي يقام المونديال، إضافة إلى صعوبة تسيير حركة التجارة الدولية مع بقاء الأمر في تصاعد في مضيق هرمز. وقد أدت عملية تقطع حركة المسارات إلى انقطاع في التجارة الدولية، وارتفاع أسعار المشتقات البترولية إلى مستويات قياسية، كان لها بالغ الأثر على بقية السلع والبضائع السوقية، وهو ما جعل التضخم يخيم على مجريات الأمور نتيجة غلاء الأسعار التي راحت ترتفع إلى مستويات كبيرة، كما جعل العالم يقف مشدودًا نتيجة دخول الملف النووي إلى ميزان التصعيد.
الأمر الذي راحت معه الدوائر القطبية تعقد قممًا متوالية تجمع ترامب وتشي في بكين، كما تجمع بوتين وتشي بعد ذلك في نفس المدينة، حتى غدت بكين وكأنها واشنطن تعمل في مركزية أداء، وتقوم بدور محوري. وتكون على سلم جدول أعمال هذه القمم الحرب الإيرانية التي تحولت إلى أزمة دولية قابلة للاشتعال في منطقة لا تحمل سوى البترول والغاز، وتحمل في أرجائها مشاريع نووية، منها الخفية المعروفة، وأخرى في طور التخصيب الناشئ، الذي يراد ترقيق ما يحمله إلى نسب تقبلها واشنطن وتقبلها تل أبيب، فيما تراها إيران أنها ليست انهزامًا، على الرغم من عدم ممانعتها لنقل النووي المخصب، على غير ما قاله المرشد مجتبى من قبل.
هذا إضافة إلى توافق الجميع حول "صفر تخصيب” لمدة عشر سنوات، وهو ما يتم بلورته ضمن إطار ناظم لوقف الحرب لمدة (60) يومًا في المرحلة التمهيدية، يُجرى خلالها وقف كل الأشكال العسكرية والأمنية التصعيدية، وعودة حركة التجارة الدولية في الخليج العربي، ليتم فيما بعد التفاوض حول (14) ملفًا ستكون قيد البحث، بما في ذلك دور إيران في المنطقة، وإمكانية وجودها ضمن سياق المنطقة الجيوسياسية، أو بقاؤها معزولة نسبيًا، مع إعادة (12) مليارًا إليها من أصولها المجمدة. وهذا ما يعني أن إيران استطاعت المحافظة على نظامها السياسي في "فاصلة الإرجاء” التي تم التوافق حولها في الخطوة الأولى.
ولعل اتفاق الإطار، الذي بين خطوطه العامة الرئيس ترامب مع قادة المنطقة في ملتقى مرئي عبر اتصال جامع، ضم العواصم المؤثرة في المنطقة: عمّان، والقاهرة، والرياض، وأبوظبي، والمنامة، والدوحة، وأنقرة، وإسلام آباد، قد بدأ يبعث إشعاع أمل بقرب التوصل إلى اتفاق على أرضية سياسية، تُحدث في مقامها الأول حالة إرجاء قبل إتمام السلام. وهو ما يؤكد أن الحلول العسكرية أثبتت عدم نجاحها، وأن الحلول السياسية والعلاقات الدبلوماسية هي نقطة الفصل في بيان الحل لحلحلة عقدة الأزمة مهما تعالت أوجهها.
كما أكد أن قياس فنزويلا في حل الأزمات مسألة غير دقيقة، وهو ما أسقط تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الأمريكية، من مركزها، وقد يؤدي إلى إسقاط نتنياهو، الذي ما يزال يصر على تصدير أزماته الداخلية إلى محيطه الإقليمي، لدواعي تقبلها بعض قيادات الإدارة الأمريكية باعتبارها مسلمات توراتية، فيما كان آخرون يراهنون على جعل الشرق الفارسي يعلن الحرب على غرب الخليج العربي. إلا أن حكمة الزعماء العرب جعلت من هذه المؤامرة تفشل، وتم احتواؤها سياسيًا.
ولقد آن الأوان للعواصم القطبية أن توقف سياسات التصعيد لغايات تحقيق النفوذ، التي ما تزال مشتعلة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. فقد سئم مواطن المنطقة من مناخات التطرف وميادين المعارك التي ما فتئت تؤثر على أمنه وتضيق على معيشته. فإن أمن المنطقة هو من صميم الأمن العالمي، وهذا ما يجب أن يكون محط اهتمام العالم أجمع، لا سيما في عواصم القرار.
وهذا ما دأب الأردن، بقيادته، على تأكيده، كما عبّر عنه الملك عبدالله فى عدة لقاءات ، وما راح ليبنيه سمو الأمير الحسين في زيارته الناجحة إلى ألمانيا، في التوقيت والمضمون.
فإن "فاصلة الإرجاء” لا بد أن يتبعها عودة للقانون الدولي وللمرجعيات الدولية، عبر وقف كل أدوات التصعيد، وعودة الجميع إلى طاولة الحوار المفضي لسلام، بما في ذلك وقف مناخات الغلو التي تمارسها حكومة تل أبيب في قطاع غزة ولبنان، وكذلك في الضفة والقدس، التي يجب أن تُحترم وصايتها الهاشمية، لتشكيل جملة سلام تحفظه وتصونه الأجيال.
إن "فاصلة الإرجاء” التي تحكم المشهد اليوم ليست حالة سكون، بل اختبار حقيقي لإرادة الفاعلين الدوليين وقدرتهم على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق صناعة السلام. فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الاستقرار على أسس عادلة ومستدامة، أو أن تنزلق المنطقة مجددًا نحو دورات جديدة من التصعيد التي لن يكون لها رابح. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان على وعي القيادات، وحكمة القرار، وقدرة الدبلوماسية على تغليب صوت العقل على ضجيج السلاح، وصولًا إلى معادلة تحفظ أمن المنطقة، وتصون كرامة شعوبها، وتؤسس لسلام راسخ في وجدان كما فى البيان .. فالسلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالإرادة، وتحفظه العدالة، لتصونه الأجيال.