الاستقلال الثمانون: عبقرية الدولة في مواجهة الجغرافيا الملتهبة

​بقلم: اللواء المتقاعد هلال الخوالدة

​ في ذكرى الاستقلال الثمانين للمملكة الأردنية الهاشمية لا نقف امام مجرد احتفالية بروتوكولية تمر كغيرها من المناسبات، بل نجد أنفسنا أمام قراءة موضوعية لملحمة صمود أسطورية، كُتبت فصولها بحبر الوفاء وعرق الجبين في قلب إقليم لم يعرف السكون يوماً ، هذه الذكرى التي تمثل في جوهرها حالة اشتباك سيادي مستمر، وشهادة ميلاد لدولة استطاعت بعبقرية لافتة أن تتحول من بلد يقع في قلب إقليم ملتهب إلى ركيزة استقرار استراتيجي وقوة وازنة مؤثرة لا يمكن القفز فوق مصالحها أو تجاهل دورها المحوري مهما كان الثمن .

​ انها حكاية صمود تستمد قوتها من السيرة الهاشمية التي لم تكن يوماً مجرد تعاقب للملوك، بل هي قصة عقد اجتماعي فريد جمع بين شرعية النسب والتاريخ، وطهر الموقف، وشرعية الإنجاز الميداني ، والتفاف الشعب الأردني ، فقد نجح الهاشميون في قيادة السفينة الأردنية بمنطق الحكمة الاستراتيجية التي جنبت البلاد ويلات الصراعات الأيديولوجية والأمنية والانهيارات والحروب التي عصفت بدول الجوارليظل هذا الحمى المظلة التي تحمي الجميع، وحجر الزاوية الذي يمنح الأردن وزناً جيوسياسياً يفوق حجم موارده الطبيعية.

​ واجهت الدولة الأردنية عبر ثمانية عقود سلسلة من الزلازل السياسية والأزمات المركبة من حروب وأزمات اللجوء المليوني، وصولاً إلى محاولات تصفية القضية الفلسطينية على حساب سيادته إلا أنها أثبتت في كل محك تاريخي أنها جسم صلب تمتلك قدرة فائقة مدفوعةً بقرار سيادي حازم مفاده أن الأردن لن يكون ساحة لتصفية الحسابات، ولن يقبل بأنصاف الحلول على حساب ثوابته التاريخية، وفي قلب هذه المسيرة، تبرز القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، والأجهزة الأمنية كعمود فقري لهذه السيادة وسيف الدولة ، وروح لهذا الاستقلال. فالاستقرارالذي ينعم به الأردن اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج عقيدة عسكرية احترافية جعلت من المملكة حصناً منيعاً في وجه التهديدات الإرهابية ومشاريع التفتيت والتهريب وإدخال الفوضى ، ليبقى الأمن والاستقرار الأردني علامة فارقة في منطقة تعج بالتوترات، ومع دخول الأردن مئويته الثانية يتجلى الاستقلال اليوم كفعل متجدد يرتكز على الاعتماد على الذات والتحديث الشامل الذي يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظة الله ورعاه لضمان استقلال القرار الوطني ومنعته في وجه الضغوط الاقتصادية والسياسية العالمية.ويبقى من المؤكد ان اللغة الوطنية التي يفرضها هذا التاريخ هي لغة القوة الواثقة التي لا تقبل المهادنة فالأردن بقيادته وشعبة الوفي وجيشة واجهزتة الأمنية بقي ولايزال جبل أشم لا تهزه الرياح، ودولة لا تقايض على مبادئها ولا ترتجف في وجه التهديدات وسيادته ستبقى خطاً أحمر يتحطم دونه كل طامع، نسأل الله تعالى ان يبقى الأردن حراً سيداً عصياً على الانكسار، وحصناً عربياً هاشمياً منيعاً يحمل رسالة الثورة العربية الكبرى نحو مستقبل يليق بعظمة تاريخه وطهر ترابه .