بين الردع والصمود: هل تنهي الهدن صراع الإرادات بين واشنطن وطهران؟

محسن الشوبكي خبير امني واستراتيجي

هل يمكن لسياسة حافة الهاوية والضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران أن تفرض حالة استقرار مستدام في الشرق الأوسط، أم أنها مجرد آلية لتأجيل انفجار أكبر؟ وما الدلالات الاستراتيجية لقيام واشنطن بإعادة تموضع بعض قواتها النخبوية وحشدها في المنطقة خلال هذا التوقيت الحساس؟

يعيش الإقليم اليوم على وقع معادلة استراتيجية شديدة التعقيد، تتأرجح بين التصعيد العسكري المدروس ومنح الفرص السياسية المتكررة. ولا يعكس هذا المشهد رغبة فعلية في التراجع من أي طرف، بقدر ما يجسد صراع إرادات مفتوحاً تسعى عبره القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة ضبط توازنات النفوذ والردع. وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الأمريكية الأخيرة للقوات الخاصة باعتبارها جزءاً من تهيئة ميدانية لخيارات سريعة وعالية الدقة، تهدف إلى دعم أدوات الضغط السياسي وتعزيز الردع، إضافة إلى حماية القواعد العسكرية وخطوط الملاحة ومنع أي محاولات لإعادة التموضع خلال فترات التهدئة.

يقف المتابع للموقف الأمريكي أمام استراتيجية تقوم على توظيف الضغط العسكري والاقتصادي بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، بهدف دفع طهران نحو تقديم تنازلات تتعلق بملفات النفوذ الإقليمي والقدرات غير التقليدية. كما تسعى واشنطن إلى تأمين الممرات البحرية الحيوية وتقليص قدرة خصومها على تهديد الاستقرار الإقليمي، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب الانخراط في حرب برية واسعة قد تحمل كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة. ومن هنا، تبدو فترات التهدئة المتكررة جزءاً من إدارة الصراع أكثر من كونها مؤشراً على تسوية نهائية، بينما يحمل الحشد النخبوي الأمريكي رسائل ردع مباشرة تهدف إلى ضبط إيقاع الميدان ومنع أي تغير مفاجئ في موازين القوى.

في المقابل، يظهر الموقف الإيراني قدراً كبيراً من التصلب المرتبط بعقيدته الأمنية ورؤيته لمعادلة الردع. إذ تسعى القيادة الإيرانية إلى تأكيد أن بنيتها السياسية والعسكرية ما تزال قادرة على الصمود رغم الضغوط والهجمات المتصاعدة. وتعتمد طهران على مجموعة من أوراق القوة، أبرزها القدرة على تهديد الممرات المائية الحيوية، وتوسيع نطاق الاستنزاف غير المباشر، إضافة إلى الاحتفاظ بملفها النووي كأداة ردع استراتيجية. ومن منظور صانع القرار الإيراني، فإن أي تنازل جوهري لا يترافق مع ضمانات واضحة ورفع ملموس للعقوبات قد يُفسر داخلياً وإقليمياً باعتباره تراجعاً يمس توازن الردع القائم.

تكمن المعضلة الأساسية في غياب الثقة المتبادلة وتعارض المصالح الوجودية بين الطرفين. فالوساطات المتعددة، سواء جاءت بصورة مباشرة أو عبر أطراف إقليمية ودولية، تنجح غالباً في إنتاج هدن مؤقتة تمنع الانفجار الشامل، لكنها لا تقدم حلولاً جذرية للصراع. ونتيجة لذلك، تبدو المنطقة أمام حالة "تعادل خشن”، يمتلك فيها طرف التفوق العسكري والقدرة على الحصار والردع السريع، بينما يمتلك الطرف الآخر القدرة على التعطيل ورفع كلفة المواجهة واستنزاف الخصوم على المدى الطويل.

وعليه، فإن مستقبل الهدن الحالية سيبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل الردع المتبادل إلى تفاهمات أمنية قابلة للاستمرار، لا مجرد فترات مؤقتة لاحتواء التصعيد وإعادة ترتيب أدوات القوة بانتظار جولة جديدة من الصراع.