أمن الممرات في عين العاصفة: التحالفات الجديدة

كتب محسن الشوبكي
أصبح البحر الأحمر والقرن الأفريقي خلال الفترة من 2025 وحتى 2026 منطقة استراتيجية مترابطة بشكل وثيق. لم تعد المنطقتان منفصلتين، بل تحولتا إلى ساحة واحدة يؤثر فيها أي حدث في جانب على الجانب الآخر مباشرة. هذا التداخل يعكس تحولاً جيوسياسياً عميقاً يتجاوز الجغرافيا إلى مجالات الأمن والاقتصاد والمنافسة الدولية.

جاء هذا التداخل نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها التوترات المستمرة في ممرات الملاحة، وطموح بعض دول القرن الأفريقي للوصول إلى البحر، والمنافسة الدولية الشديدة على الموانئ والقواعد، بالإضافة إلى التأثير المتبادل بين الاستقرار الهش في القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر.
يُضيف إغلاق مضيق هرمز منذ حوالي شهرين بعداً استراتيجياً مهماً. ورغم ذلك، لم تحدث زيادة ملحوظة في مرور السفن عبر البحر الأحمر وباب المندب، وذلك بسبب تراكم المخاطر الأمنية في المنطقة ككل، مما دفع معظم الشركات العالمية إلى الاستمرار في الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

أما الحوثيون، فلم ينفذوا أي هجمات مباشرة على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ بدء الضربات على إيران نهاية شباط 2026، لكنهم أطلقوا تهديدات واضحة باستئناف العمليات، مما يبقي التوتر قائماً.
برزت إسرائيل كلاعب نشيط في هذا الفضاء. في كانون الأول 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بما يسمى بارض الصومال ، وتسعى من خلال ذلك إلى بناء حضور أمني ولوجستي في جنوب البحر الأحمر، خاصة في ميناء بربرة، وتعزيز التعاون مع إثيوبيا لمواجهة التهديدات الحوثية المحتملة.

شهدت المنطقة تزايداً في التواجد البحري الدولي. في بداية ايار الحالي ، نشرت فرنسا مجموعة حاملة طائرات كبيرة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، وأرسلت بريطانيا مدمرة حربية إلى المنطقة نفسها. كما تحتفظ الولايات المتحدة بمدمرة صواريخ تعمل حالياً في البحر الأحمر. جاء هذا التواجد الأوروبي بهدف التحضير لمهمة محتملة مشتركة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وتعزيز الردع, ومراقبة الوضع الأمني، وإرسال رسالة سياسية بأن أوروبا مستعدة للعب دور أكبر في حماية ممرات الطاقة العالمية.

من المتوقع أن يستمر هذا التداخل ويتعمق خلال الفترة القادمة. التواجد البحري الأوروبي المتزايد يعكس رغبة أوروبا في تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في تأمين إمدادات الطاقة. أما التهديد الحوثي المعلق فيبقي المنطقة تحت ضغط مستمر، وقد يؤدي إلى تصعيد سريع إذا تغيرت الحسابات.

على المدى المتوسط، من المرجح تشكيل ترتيبات أمنية مشتركة جديدة، لكن المنافسة الدولية الشديدة ستظل قائمة، خاصة في ظل الكثافة العسكرية في جيبوتي. الدول التي تتابع هذه التطورات بدقة وتبني استراتيجيات مرنة ستكون أفضل قدرة على حماية مصالحها.

كخلاصة هذا التداخل تحول استراتيجي دائم يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة. الوضع الحالي — إغلاق هرمز، تواجد أوروبي متزايد، وتهديد حوثي معلق — يجعل البحر الأحمر والقرن الأفريقي منطقة شديدة الحساسية وقابلة للتغيير السريع.