استقلال 80… والثقافة الوطنية
استقلال 80… والثقافة الوطنية
د. حازم قشوع
في لحظةٍ وطنيةٍ تتكاثف فيها الذاكرة مع الرؤية، وتتعانق
فيها منجزات التاريخ مع رهانات المستقبل، يقف الأردن في الذكرى الثمانين للاستقلال لا بوصفه دولةً عبرت الزمن، بل بوصفه فكرةً رساليةً صاغت من الجغرافيا معنى، ومن الإنسان مشروعًا، ومن الثقافة هويةً حيّةً تتجدد ولا تنقطع. ثمانون
عامًا لم تكن مجرد مسيرة بناء، بل كانت مسارًا لتشكيل وعيٍ جمعي، وترسيخ منظومة قيم، وصياغة نموذجٍ وطنيٍّ متماسك، استطاع أن يحوّل التحديات إلى فرص، وأن يجعل من الثقافة الوطنية ركيزةً في تثبيت الهوية، وحارسًا للمعنى، ودافعًا نحو المستقبل.
وفي هذا المقام، لا تُقرأ الثقافة بوصفها نتاجًا تراكميًا فحسب، بل باعتبارها فعلًا استراتيجيًا واعيًا، يعكس "أردن الرسالة" في أبهى تجلياته، ويمنح المشروع الوطني قدرته على الاستمرار والتأثير. ومن هنا، تأتي الحاجة إلى إعادة تأطير الثقافة ضمن رؤيةٍ وطنيةٍ شاملة، تستلهم الإرث، وتستشرف الأفق، وتبني الإنسان القادر على حمل الرسالة وصناعة الغد.
لكلِّ وطنٍ تاريخٌ يُروى بسرديّة، إلا أن تاريخ الأردن لا يُكتب بوصفه سردًا فحسب، بل يُحمل رسالةً وهويةً، الأمر الذي جعل إرثه الثقافي يُصاغ ضمن رؤيةٍ استراتيجية، تستدعي تحديد ملامحها، وتبيان منهجياتها، وتسليط الضوء على سياساتها، وبرامج تأثيرها، ودوائر أثرها، مع ضرورة الوقوف عند محيطات التأثر الموضوعية.
ومن هنا، فإن بلورة استراتيجية ثقافية وطنية تقتضي توضيح المفاهيم، وتحديد العناوين، وشرح الأدبيات، وتأطير المسارات، ووضع البرامج ضمن أطرٍ توجيهية إعلامية، وفي المناهج الفنية والأدبية، بما يحقق الانسجام بين المنطلقات المركزية وروافد العمل المتعددة، عبر أدوات تستجيب لبيئة المجتمع، فتتحقق فاعلية التأثير، وتبرز عناوين الاستجابة من خلال تفاعليةٍ مبادِرة، تُفضي إلى مناعةٍ مجتمعيةٍ راسخة.
وتنبع هذه الرؤية من اعتباراتٍ ضمنية، قوامها صياغة النموذج الثقافي للخصوصية المجتمعية، وفق معادلةٍ تستند إلى المنطلقات الحضارية، والاستشراف الواعي للبيئة الحاضنة، والاستكشاف الخلّاق للإبداع، واستدراك الحركة الاجتماعية، بما يحقق التطلعات المنشودة. وفي هذا السياق، تُشكّل هذه الرؤية علامةً فارقة، إذ يتطلب بناؤها صياغة دلالةٍ جامعةٍ لهذا المزيج، تسهم في تحديد سمة المجتمع الثقافي وملامحه، وتستدعي فتح أبواب الحوار لإطلاق رؤيةٍ استراتيجية، يمكن استلهامها من رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني: "نحو مجتمع معرفي وأردن أفضل".
أما الرسالة الثقافية، فهي الإطار الذي يستوعب الحركة الفكرية والأدبية، ويهضم مكوناتها الموروثة والسلوكية ضمن منهجيةٍ واضحة، تستند إلى مفهوم البناء، بحيث تُدمج هذه العناصر في منظومة استهدافاتٍ مرجوة، وتطلعاتٍ منشودة، من خلال مسارات عملٍ محددة، تستلهم مضامينها من الأوراق الملكية.
وعلى هذا الأساس، ينطلق المجتمع الأردني من إيمانٍ راسخٍ بالله، ليسعى إلى تجسيد تطلعات الإنسان والأرض، هويةً وانتماءً، في ظل دولة القانون، والمجتمع المدني، وتعظيم قيم العدالة وتكافؤ الفرص، وترسيخ النهج الديمقراطي التعددي، وصون قيم المواطنة، وتفعيل اللامركزية والحكم المحلي، وبناء اقتصادٍ إنتاجي، وتهيئة بيئةٍ معرفيةٍ متقدمة للتعليم والتعلم.
وتندرج هذه المنظومة ضمن رسالةٍ وطنيةٍ بنائيةٍ معرفية، تُثري العمل الإنساني بروافد العلم والمعرفة، وهي ذاتها التي جسّدتها مضامين الأوراق الملكية، لتُترجم رؤية جلالة الملك في بناء "أردن أفضل"، ورسالة مجتمعٍ يتجه نحو "مجتمعٍ معرفي" بقيمه وعطائه، ليشكّلا معًا جوهر الرؤية الكاملة: "نحو مجتمع معرفي وأردن الغد ".
وتُعد هذه الرسالة الركيزة الأساس في بناء الاستراتيجية الثقافية الأردنية، من خلال ترسيخ شرعية الإنجاز، وتعظيم الحراك المجتمعي، وتطوير أدواته، وتصميم نماذج عمله، وتفعيل السياسات العامة بما يُثري الحركة الثقافية والأدبية، ويمنحها سمةً منهجيةً وقيميةً مميزة.
وقد غدت قيمة التسامح ونهج الأمان السمة الغالبة على المجتمع الأردني، ما يستدعي إبرازها بوصفها نموذجًا ثقافيًا متقدمًا، من خلال تسليط الضوء عليها في مختلف الأنشطة، باعتبارها علامةً فارقة في الشخصية الأردنية. فالتسامح، بما يحمله من كرمٍ وسموٍّ أخلاقي، يتجلى في الترفع عن الصغائر، ورفعة السلوك، وحسن التربية، حتى غدا ثقافة حكمٍ راسخة، وأحد أبرز القيم المؤسسة للمجتمع.وتتجسد هذه القيم في رمزية السوسنة، وفي النماذج المجتمعية التي تشكل روافد لشرعية الإنجاز، في يومٍ يُرفع فيه العلم عاليًا، ليُجسّد رسالة الوطن ومعناه.
وفي الامتداد التاريخي، يبرز الأنباط، أحفاد نابط بن إسماعيل عليه السلام، بوصفهم من أوائل من استنبطوا المياه الجوفية، وأبدعوا في نظم التخزين، وامتدت جغرافيتهم من النيل إلى الفرات، وبنوا عاصمتهم في البتراء، تلك المدينة المنحوتة في الصخر، شاهدةً على عبقرية الإنسان وإرادته.
وقد تميزوا بعلوم الهندسة والنحت، وأقاموا نماذج متقدمة للدولة والإدارة، واحترموا المرأة، حتى نقشوا صورتها على عملاتهم، ولقّبوا ملكهم بـ"القائد الرحيم" لما عُرف عنه من عدلٍ ورعاية. وبرعوا في التجارة والصناعة، حتى غدت حضارتهم مرادفًا لعلوم الخزن والتخزين، التي امتد أثرها في أنماط الحياة الأردنية.
ورغم أفول دولتهم سياسيًا، ظل أثرهم الحضاري حيًا، تشهد عليه البتراء بما تحمله من رمزيةٍ عميقة، تُجسّد أصالة الإرث العربي وامتداده.وهكذا، فإن الأردن ليس مجرد جغرافيا، بل
هو رسالةٌ متصلة، تُزاوج بين المكان والمعنى، وتربط التاريخ بالحاضر، ضمن منظومةٍ حضاريةٍ تعبّر عن "أردن الرسالة".
الذكرى الثمانين للاستقلال، يستحضر الأردن هذا الإرث ليؤكد أن الثقافة الوطنية تمثل جوهر المشروع الوطني، وأن "أردن الرسالة" هو الإطار الجامع بين الهوية والجغرافيا، والتاريخ والرؤية، ليبقى الأردن نموذجًا في الاعتدال، والتسامح، والإنجاز.
وهكذا، وفي ظل هذه المسيرة المتصلة، يتبدّى الأردن في عامه الثمانين من الاستقلال بوصفه نموذجًا وطنيًا ينهض على وعي الثقافة بقدر ما يقوم على منجز الدولة، حيث لا تنفصل الهوية عن الفعل، ولا تغيب الرسالة عن المسار. فالثقافة الوطنية، بما تختزنه من قيمٍ ومعانٍ ورموز، لم تكن يومًا ترفًا فكريًا، بل كانت على الدوام قوةً مُحرِّكة، وصمام أمان، وأداة بناءٍ وصياغةٍ للمستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن ترسيخ "أردن الرسالة" لا يتحقق إلا بتعميق الوعي الثقافي، وتوسيع دوائر تأثيره، وتكريس حضوره في كل مساحات الفعل المجتمعي، ليظل الأردن وفيًّا لذاته، متجددًا في أدواته، ثابتًا في قيمه، منفتحًا على العالم، وقادرًا على تحويل إرثه الحضاري إلى طاقةٍ دافعةٍ نحو مزيدٍ من الإنجاز
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وإرادة شعبه، شاهدًا على أن الأوطان التي تُبنى على المعنى، وتستند إلى الثقافة، هي الأقدر على البقاء، والأجدر بصناعة المستقبل. ومن هنا، فإن الذكرى الثمانين للاستقلال ليست محطة احتفاءٍ فحسب، بل لحظة تجديد عهد، وإعادة تأكيد على أن هذا الوطن سيبقى رسالةً حيّة، تُكتب بالفعل، وتُصان بالوعي، وتُورَّث للأجيال عنوانًا للمجد والإنسان.