خونة الأمانة: من خيانة الثقة الملكية إلى بطولات الشاشات المتأخرة
بقلم: نضال أنور المجالي
ليس الفساد مجرد استلاب للمال العام، بل هو خنجرٌ مسموم يُغرس في خاصرة الوطن، ومعول هدمٍ ممنهج لمنجزات شيدها الشرفاء بدمائهم وعرقهم. إن السكوت عن المفسد ليس "حياداً" أو دبلوماسية زائفة، بل هو تواطؤٌ مخزٍ مكتمل الأركان؛ فالجريمة لا تنحصر فيمن استباح الحرام، بل تمتد لتشمل كل من وفر له "مظلة حماية"، أو غضَّ الطرف عن تجاوزاته تقديماً لمصلحة فانية أو رعباً من مواجهةٍ مستحقة.
سياط النقد لكل عابث
إن هؤلاء الذين استمرأوا استباحة مقدرات الوطن، وظنوا واهمين أن "عروش المكاتب" حصونٌ تقيهم بأس الحساب، قد تناسوا حقيقة أزلية: أن المفسد مهما استقوى بمنصبه يظل قزماً ذليلاً في موازين الشرفاء، ومنبوذاً في ذاكرة الأمة. إن "التستر" على العابثين هو ذروة الفساد؛ فالمداهنة والمجاملة على حساب المقدرات الوطنية ليست إلا خيانة صريحة للأمانة العظيمة التي أقسمتم عليها أمام الله والناس.
عتابٌ لـ "فرسان الشاشات" وبطولات ما بعد الرحيل
ونوجه هنا لوماً لا يقل غلظة لأولئك الذين يطلون علينا بـ "بطولات ورقية" وشهادات "مؤجلة" بعد أن فقدوا بريق الكرسي وزالت عنهم الحصانة. نسألهم بمرارة الواثق: أين كانت هيبة أصواتكم حينما كنتم في سدة القرار؟ وأين كانت غيرتكم والوثائق والمستندات تحت بصركم؟
إن من يكتم الحقيقة وهو يملك سلطة القرار، ثم يتباكى عليها خلف الشاشات بعد تقاعده، هو شريكٌ أصيل في الجريمة بصمته، ومتاجرٌ بالولاء لتحسين صورته المهشمة لا أكثر.
خيانة الثقة الغالية
لقد منح سيدنا جلالة الملك وسمو ولي عهده الأمين ثقتهما الغالية لمسؤولين، استأمنوهم على أحلام الأردنيين ومستقبل الأجيال، لكن المسؤول الفاسد –بجشعه أو تخاذله– خان هذه الثقة السامية. كيف يجرؤ مسؤول على الارتجاف، أو مهادنة الباطل، وهو يستمد شرعيته وقوته من قيادة هاشمية فذة لا تعرف المهادنة في الحق، وتسعى دوماً لاجتثاث جذور الفساد بضرباتٍ موجعة وقرارات حازمة؟ كان الأجدر بك أن تكون سداً منيعاً في وجه الانحراف، لا شاهداً أخرس ينتظر "الخروج من المشهد" ليمارس دور الناصح الواعظ ويكشف حقائق متأخرة لا تسمن ولا تغني من جوع!
التاريخ لا يغفر للمتخاذلين
ليعلم كل من تسول له نفسه العبث بمستقبل هذا الوطن، وكل من آثر "السلامة الجبانة" على كلمة الحق: أن التاريخ لا يرحم الفاسد، ولا يغفر للمتخاذل. إن الأسماء التي لا تصون الأمانة تُشطب بمداد من خزي من سجلات الشرف، وتُخلد في ذاكرة المجتمع السوداء.
الوطن لا يحتاج إلى "منظرين" يستعرضون عضلاتهم الكلامية بعد فوات الأوان، بل يحتاج إلى رجالٍ يملكون شجاعة المواجهة وهم في قلب الميدان، يستمدون بأسهم من إيمانهم المطلق، وولائهم الصادق لقيادتهم، وعشقهم لتراب الأردن العظيم. فالحقيقة التي تُقال متأخرة لا تبني وطناً، بل تشنق الضمير الذي كان يجب أن ينتفض قبل فوات الأوان.
حفظ الله الأردن، وعزز ملك الهاشميين.