محمد شاهين يكتب: الكلمة الحرة في زمن الضجيج




في الثالث من أيار من كل عام، يقف العالم أمام مرآة الحقيقة في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا للاحتفال فقط، بل لنطرح سؤالاً: أين تقف الكلمة الحرة اليوم؟ وهل ما زالت الصحافة قادرة على أداء دورها كسلطة رابعة تحمي المجتمعات من التضليل والانحراف؟

حرية الصحافة ليست ترفًا ديمقراطيًا، ولا امتيازًا تمنحه السلطات متى شاءت وتسحبه متى أرادت، بل هي حق أصيل من حقوق الإنسان، وركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى العدالة والشفافية.
 فكلما اتسعت مساحة الحرية، ازداد وعي الشعوب، وتعززت قدرتها على محاسبة المسؤولين، وكشف الفساد، وصناعة القرار المبني على المعرفة لا على الإشاعة.

لكن الواقع اليوم يضعنا أمام تحديات غير مسبوقة.
 فالصحفي لم يعد فقط ناقلًا للخبر، بل أصبح في مواجهة مباشرة مع سيل هائل من المعلومات المضللة، وحملات التشويه، والضغوط السياسية والاقتصادية. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي، بات التحقق من المعلومة معركة يومية، تتطلب شجاعة ومهنية عالية.

وفي منطقتنا العربية، لا تزال حرية الصحافة تسير على خيط رفيع، بين تطلعات الشعوب نحو إعلام حر ومسؤول، وبين قيود تفرضها ظروف سياسية وأمنية معقدة. ومع ذلك، أثبتت التجارب أن الصحافة الجادة قادرة على الصمود، بل وعلى إحداث التغيير، عندما تتمسك برسالتها الأخلاقية والمهنية.

الأردن، كغيره من الدول، شهد تطورًا ملحوظًا في المشهد الإعلامي، مع تنوع المنصات وتعدد الأصوات، إلا أن التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية، بحيث تكون الكلمة أداة بناء لا هدم، وجسرًا للحقيقة لا منصة للشائعات.

وفي هذا اليوم، لا بد من التوقف عند تضحيات الصحفيين حول العالم، أولئك الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لكلمة صادقة، أو موقف مهني نزيه. هؤلاء لا يُحيون فقط في ذاكرة المهنة، بل يشكلون ضميرها الحي، الذي يذكرنا دائمًا بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة.

إن الدفاع عن حرية الصحافة ليس مسؤولية الصحفيين وحدهم، بل هو واجب مجتمعي، يبدأ من احترام حق المواطن في المعرفة، ويمتد إلى دعم الإعلام المهني، والتمييز بين الخبر الموثوق والإشاعة.

في النهاية، تبقى الحقيقة بحاجة إلى من يدافع عنها، والصحافة الحرة هي خط الدفاع الأول. 
وفي عالم تتزايد فيه الضبابية، تصبح الكلمة الصادقة أكثر قيمة، وأكثر خطورة في آنٍ واحد.

ففي الثالث من أيار، لا نحتفل فقط بحرية الصحافة، بل نعيد التأكيد على أنها الطريق الوحيد لبقاء الحقيقة حيّة.