الحل بالقطعة والسلام للجميع
د. حازم قشوع
وقف العمليات العسكرية وعودة الحركة الطبيعية للقوافل البحرية عبر مضيق هرمز، ليتم في المرحلة الثالثة التوافق حول ملف التخصيب النووي؛ تلك هي خطة العمل المؤيدة روسيًا وصينيًا، التي يجري الحديث حولها في البيت الأبيض، بعد أن تم تقديمها للإدارة الأمريكية عبر باكستان، الوسيط النشط للإدارة. وهو ما يُراد منه عودة مناخات الثقة أولًا بين الجانبين الإيراني المتحفز، والأمريكي المحاصر لكل الشواطئ الإيرانية وبوابتها البحرية. وهذا ما يعني أن "حل الصفقة" بات غير فاعل، وقد استُعيض عنه ببرنامج الحل بالقطعة، وهو البرنامج الذي يفيد سياسية إيران بالتفاوض عبر النفس الطويل الذي تجيده جيدًا، ونعلم كيفية التعاطي في مداخله وكيفية الخروج من أنفاقه، التي نجحت في هندسة أنفاقها لغايات الصمود في قطاع غزة كما في الجنوب اللبناني والداخل الإيراني، الأمر الذي من شأنه كسب أرضية الملعب في الشوط الأول من المناورة التفاوضية، لكون المعادلة انتقلت من واقع صفقة بالجملة إلى مسألة مراحل بالقطعة.
وفي التزامن مع هذا التحرك السياسي التفاوضي النشط، نجحت باكستان في تأمين ترسانتها العسكرية من الصين عبر اتفاقية استراتيجية، وهذا جعل من باكستان ترفع من مداميك أرضية استضافة المفاوضات بطريقة مركزية. كما تم تأمين الفضاءات الإيرانية من السلاح النووي الروسي عبر إرساء منصات نووية روسية في الجنوب الروسي المتاخم للحدود الإيرانية، وذلك عبر الزيارة الهامة التي قام بها الوزير عراقجي لموسكو ولقائه الرئيس بوتين في الكرملين، في لقاء كان غير مدرج على جدول أعمال الزيارة، وهو ما جعل المتابعين يصفون هذا اللقاء بالضامن الكفيل لعدم استخدام أسلحة استراتيجية، وذلك بعد أن قامت أمريكا بإنشاء منصات نووية في فنلندا التي تقع بجانب الحدود الروسية، الأمر الذي جعل هذا التحرك يرسم عنوان تضاد صفري في معارك ترسيم الحدود المشتعلة، وهو ما جعل الكثير من المراقبين يخشون أن يكون العنوان القادم في خليج تايوان، الذي يعتبر النقطة الفاصلة الثالثة بعد أوكرانيا والشرق الأوسط، إذا لم يتم التوافق على محدداتها في اللقاء القادم الذي سيجمع الرئيس ترامب بالرئيس شي جين بينغ، والذي لم يُعلن عن مكانه أو يُبين زمانه بعد.
وبالرغم من محاولة إسرائيل الاستفادة من التحول الناشئ نتيجة دخول التعددية القطبية في سماء الفضاءات الحاصل، بعدما فشلت في تحقيق أيٍّ من أهدافها؛ فلا استطاعت إشعال حرب شيعية–سنية كانت تريدها للسيطرة على المنطقة، ولا استطاعت إعادة الإمبراطورية البهلوية للتحالف معها عبر تمكينها في إيران، ولم تستطع إنشاء إسرائيل الكبرى، وبقيت البقرة الحمراء في عهدة السفير هاكابي، كما لم تستطع إخماد شعلة الحرية التي تضيئها القضية الفلسطينية، بعدما نجح الشعب الفلسطيني في إجراء انتخابات بلدية على الرغم من حالة الحصار المطبق، وتستعد حركة فتح لإقامة مؤتمرها في الداخل الفلسطيني، في يوم إعلان دولة الاحتلال، برسالة منها تقول: ستبقى شعلة فلسطين وضاءَة في سماء الحرية.
وما زال الأردن يقوم بجهود كبيرة من أجل إعادة حالة الهدوء للمنطقة، وهو ما فتئ يؤكد على أهمية فتح باب الحوار والتفاوض، كونه الخيار الأسلم والأفضل لتحقيق السلام والاستقرار العالمي.
فلا القرارات الأحادية مفيدة، ولا السلام بالقوة مجدٍ، وعلى الجميع احترام المرجعيات القانونية التي كفلها القانون الإنساني الدولي، الذي ينبذ العنف بكل أشكاله، ويقف مع احترام صوت العقل والمنطق في حل القضايا الخلافية بأسلوب سلمي ومنهجية تفاوضية. وهو ما راح ليؤكده الملك عبدالله بالاتصال الودي مع الرئيس ترامب إثر تعرضه لحادثة إرهابية، والذي أكد فيه وقوف الأردن ضد التطرف والعنف، ويتمنى السلامة للشعب الأمريكي، كما يتمنى السلامة للإنسانية.