لم يعد الصمت خيارًا: حين تُستهدف الدولة ورموزها تحت غطاء “الحرية”
محمد علي الزعبي
في زمنٍ المنصات الرقمية والسعى للايكات، والتي تتسارع فيه الكلمات أكثر من الحقائق، وتُمنح فيه المنصات لمن يجيد إثارة الجدل لا من يمتلك المعلومة، يصبح الصمت ترفًا لا يليق بوطنٍ يُساء إلى رموزه، فهل يُعقل أن تُختزل الديمقراطية في شتيمة؟ وأن يُعاد تعريف حرية التعبير باعتبارها منصةً لتصفية الحسابات أو استهداف القامات الوطنية؟
ما نشهده اليوم ليس نقدًا بنّاءً، ولا حوارًا وطنيًا مسؤولًا، بل انحدارًا لغويًا وأخلاقيًا يُمارَس تحت مظلة وهمية اسمها "الرأي"، والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح،، الإساءة لرموز الدولة ليست شجاعة، بل إساءة للوطن نفسه، وتشويه لذاكرته السياسية، وإضعاف لهيبته أمام أبنائه قبل الآخرين.
حين يُذكر اسم دولة عبدالرؤوف الروابدة، فنحن لا نتحدث عن شخص عابر في المشهد، بل عن رجل دولةٍ صاغ مراحل مفصلية في تاريخ الأردن، وتحمل مسؤولياته بثباتٍ وحكمة، وحين يُستهدف دولة فيصل الفايز، فإننا أمام قامةٍ وطنيةٍ عُرفت باعتدالها، وبمواقفها الإنسانية، وبحضورها الدائم في ميادين العطاء قبل مواقع القرار.
هؤلاء وغيرهم من رجالات الوطن لم يصلوا إلى مواقعهم عبر "الترند"، ولا عبر منصات الإثارة، بل عبر سنواتٍ من العمل، والتضحيات، والانتماء الصادق، وإن اختلفنا معهم، فالأدب يفرض أن يكون الاختلاف بحجم الوطن، لا بحجم الإساءة.
لكن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند زاويةٍ أخرى لا تقل أهمية،، الوزراء ومؤسسات الدولة. فالهجمة التي تطال الأشخاص، تمتد في جوهرها لتطال الدولة نفسها، عبر التشكيك الدائم في مؤسساتها، والتقليل من إنجازاتها، وبثّ الشك في كل جهدٍ وطني يُبذل.
إن الوزراء، مهما اختلفنا مع قراراتهم أو توجهاتهم، هم جزء من منظومة عمل وطني متكاملة، يحملون أعباء مسؤوليات ثقيلة في ظروف إقليمية ودولية معقدة، والمؤسسات الرسمية ليست كياناتٍ جامدة، بل هي العمود الفقري الذي يحفظ استقرار الدولة، ويضمن استمرارية خدماتها، ويصون أمنها الاجتماعي والاقتصادي.
الهجوم العشوائي على هذه المؤسسات، والتعميم الجائر بحق العاملين فيها، لا يُصلح خللًا ولا يُقيم اعوجاجًا، بل يفتح الباب أمام فقدان الثقة، ويغذي حالة من الإحباط العام، ويضرب أساس العلاقة بين المواطن والدولة.
وهنا، لا يمكن إغفال ما هو أخطر: الأيدي الخفية التي تستثمر في هذا المناخ المشحون، وتُدير حملاتٍ ممنهجة عبر منصات رقمية، تُجيد صناعة الإشاعة، وتضخيم الأخطاء، وتحويل أي حدثٍ إلى مادةٍ للفتنة والانقسام، هذه الجهات لا تسعى للإصلاح، بل تتغذى على الفوضى، وتبحث عن إضعاف الثقة بالمؤسسات، وضرب التماسك الوطني من الداخل.
إنها حرب ناعمة، لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة المضللة، والصورة المبتورة، والرواية الناقصة، حرب تستهدف الوعي قبل أي شيء، وتُحاول أن تجعل من المواطن خصمًا لدولته بدل أن يكون شريكًا في بنائها.
وإذا أردنا أن نكون منصفين في قراءة المشهد، فلا بد من استحضار إرث رؤساء الحكومات السابقين الذين أسّسوا، عبر عقود، لنهجٍ مؤسسي متكامل، عزّز من صلابة الدولة واستمراريتها، من وصفي التل الذي مثّل نموذج الدولة الحازمة المنحازة للتنمية الوطنية، إلى مضر بدران الذي قاد مراحل دقيقة بحنكة سياسية وأمنية، مرورًا بـ زيد الرفاعي الذي أسهم في ترسيخ العمل المؤسسي، وعبدالسلام المجالي الذي قاد محطات مفصلية في السياسة والاقتصاد، وصولًا إلى معروف البخيت وسمير الرفاعي وعبدالله النسور، وإلى جانبهم برزت تجارب حديثة حملت ذات الروح المؤسسية والتحديثية، من عون الخصاونة الذي قدّم نموذجًا قانونيًا إصلاحيًا، إلى هاني الملقي الذي تعامل مع تحديات اقتصادية معقدة، وعمر الرزاز الذي حاول ترسيخ نهج الحوار والانفتاح، وبشر الخصاونة الذي واصل إدارة الدولة في ظروف استثنائية، ليستمر هذا المسار اليوم مع جعفر حسان في إتمام مسيرة العمل والتطوير، ضمن نهج تراكمي لا ينفصل فيه الحاضر عن إرث الماضي، بل يبني عليه ويطوره.
هؤلاء الرجال، رغم اختلاف المدارس والتجارب، التقوا جميعًا عند هدفٍ واحد،، بناء دولةٍ تقوم على المؤسسات لا الأفراد، وعلى الاستمرارية لا اللحظة، وعلى التراكم لا القطيعة، ومن الظلم أن يُختزل هذا الإرث في عناوين سطحية أو حملات عابرة لا تدرك حجم التحديات التي واجهوها.
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، بل على الجميع ،،، إعلاميين، ومثقفين، ونشطاء، ومواطنين،، فالكلمة أمانة، والمنصة مسؤولية، والوطن ليس ساحةً مفتوحة لتجارب العبث.
لسنا ضد النقد، بل مع النقد المسؤول، ولسنا مع التقديس، بل مع الاحترام، نريد إعلامًا يُضيء لا يُحرّض، وينقد ليُصلح لا ليهدم، ويختلف دون أن يُسيء.
إن الدفاع عن رموز الوطن، وعن وزرائه، وعن مؤسساته، ليس اصطفافًا مع أشخاص، بل انحيازٌ لفكرة الدولة نفسها، فالأوطان التي تُهان فيها مؤسساتها، تضعف، والأمم التي تُستباح فيها رموزها، تفقد هيبتها،، والأردن، الذي بُني بعقول رجاله وسواعد أبنائه، يستحق منا أكثر من صمت… يستحق موقفًا يليق به.