عبده مشتهي، شهبندر تجّار الإعاقة
د. مهند العزة
إذا كانت مقولة (من أمن العقاب أساء الأدب) تنطوي على شيء من تكريس الجزاء بوصفه الحلّ الأول الذي ينبغي اللجوء إليه في حالات إساءة الأدب أو انعدامه، فإن ما لا يسهل على العقل والوجدان التكيّف والتعامل معه هو؛ استمراء البعض التنطع والتملّق وتسخير كل أداة غير أخلاقية مهما بلغ انحدارها واتخاذها سلّما في رحلة التسلّق العفنة، والأنكى من ذلك وذاك وأمرّ منهما مذاقاً والتقاءً؛ الجمع بين تلكم الخصال والخِلال -أي إساءة الأدب وانعدامه من جهة، والتنطع والتملّق وتفريعاتهما- ليكون الناتج مخلوق مشوه النفس مغرق في اللزوجة.
لم تسلم الإعاقة على مدار التاريخ وفي مختلف البلدان من ألائك المتنطعين الذين لا يخجل بعضهم من الاتّجار والمتاجرة بهذه القضية النبيلة وتسخيرها لتوسّل وتسوّل ميزة أو منفعة أو منصب غير مستحق ولو كان الثمن قلب الحقائق والانقلاب عليها.
أبدع الراحلان الكاتب الساخر أحمد رجب ورسام الكاريكاتير مصطفى حسين في مؤسسة أخبار اليوم المصرية شخصية عبده مشتاق للتعبير عن الشخص الوصولي المتعطّش للمنصب الذي يمضي أيامه بجوار الهاتف الأرضي (أبو قرص) منتظراً الرنّة الموعدة التي تبشره بمنصب ليس له أهلاً لكنه غايته ومرامه في الحياة. ورحل هذان العبقريان قبل أن يشهدا مولد ونشأة «وربربة» حفيد عبده مشتاق؛ عبده مشتهي عبده مشتاق.
حمى التملّق لدى الحفيد عبده مشتهي أشد بكثير مما كانت عليه لدى جده المشتاق، فهذا الأخير جرّب المنصب ثم فقده فاشتاق له، أما عبده مشتهي، فلم يجرب المنصب، فهو حقيقةً شبق للقب، فالمنصب ربما يتطلب شيءً من الجهد والعمل والمحاسبة، أما اللقب فلا شيء من ذلك ولا شيء أصلا.
بدأت رحلة عبده مشتهي في البحث عن لقب، حينما نظر في المرآة إلى وجهه الباهت -الذي يشبه تماماً وجه لاعب بوكر في حانة رخيصة- ثم استذكر متسولاً دائم الوقوف بجوار بيته يتظاهر أن لديه إعاقة لاستثارة عطف المارّة والحصول منهم على المال دون جهد أو مجهود، فأسرّها عبده في نفسه: "طيب ما بال المتسول يدّعي ما هو عندي حقيقةً ويجني ما يجنيه من مال ودلال.. لماذا لا أستثمر في إعاقتي الظاهرة مع رشة استعطاف وتأوه متمارض إذا لزم الأمر، فأحصد ما لم أزرع وأجني ما لم أحصد.. وكله بمشي وسلّملي على القانون”. ارتدى عبده ثوب -عدم المآخذة- الخبير في مجال الإعاقة وانكفأ على بضع كلمات إنجليزية ليحفظها ويزج بها بين كلماته العربية التي تستغيث تحت لسانه اللزج وتفرّ من بين شفتيه المتقرحتان كذباً ورياء، ثم بدأ ينتقي من الأدبيات المكتوبة والمقولات المسطّرة في مجال الحقوق ليسرقها بخفة يد وثِقَل دم؛ لزوم أكل العيش والسبّوبة.
انتشى عبده حينما حصد أول وظيفة له وكان أجمل ما فيها اللقب وأنها بدون مهام، فكان يذهب من حين لآخر ليحتسي كوب من الشاي ويضيع بعض الوقت ثم ينصرف غير مأسوف عليه من زملائه. سخّر عبده طاقاته لتوسيع نطاق تجارته بالمبادئ والإعاقة والرقص على الحبال، فبدأ يراود بعض المنظمات الباحثة عن صورة تجمّل بها هويتها المؤسسية وتظهرها بمظهر المستوعبة للتنوع والاختلاف، فنجح بإقناع بعضها أن يعمل لديهم دون عمل راضياً بدور قلم أحمر الشفاه والمتسوّل الشيك. قام عبده بتحريك وتحريض جمهوره من «فاعلي الخير» الذين اشتروا منه كذبه ونصبه، فحصد منصباً آخر غير مستحق لكن هذه المرة عابر للحدود. ولأن عبده مشتهي ابن أبيه وابن أخ محفوظ عجب أيقونة نفاق الصحافة وتملّقها كما قدّمها الراحل موسى صبري في روايته الشهيرة (دموع صاحبة الجلالة)، فإنه دخل المنصب الجديد المؤقت حانثاً حالفاً أن يستغله حتى آخر رمق، تماماً كما أقسم العبقري الراحل أحمد زكي لنفسه القسم ذاته في فيلم (معالي الوزير) حينما تم تعيينه وزيراً عن طريق الخطأ. جلس عبده المشتهي حيث تم تعيينه خارج بلده وبكى متوسّلاً متسوّلاً من زملائه -في الجهة التي عُيَّنَ فيها كما هي عادته- أن يحظى بلقب «رئيس» حتى وإن لم تكن لديه من مؤهلات ذلك النذر اليسير، فآخر ما يشغل بال عبده الكفاءة والاستحقاق والجدارة، فهو من عباد وعبيد) اللي تغلبُّه العبُّه.. واللي بتطوله إييدك خذه.. واشمعنى أنا اللي لازم تنطبق عليّ المعايير والقوانين).
ولربما يخطر ببالك أن عبده ترك وظيفته الأساسية في بلده -التي لم ينجز فيها شيءً- ليظفر بالمنصب الجديد العابر للحدود، كلّا! فعبده لا يترك شيء ولا يبقي ولا يذر، فرقصة أخرى على الحبال ودمعتان ولغة جسد متوسّلة رخيصة، أتت بالمطلوب، فطرح عبده القانون أرضاً ثم مرّ فوقه بعجل كرسيّه الملطّخ بالطين ماضياً خارج البلاد حاضراً في سجلات مكان عمله فيها لسنوات متقاضياً راتبه مثله مثل من يحضر ويعمل ويذوق ضنك العيش ومرارة الأزمات وخنقة المواصلات.
عاد عبده إلى بلده بعد أن انتهت مدة شغله للمنصب غير المستحق غير متعافٍ من إدمان الألقاب غير المستحقة، لكن تواجهه مشكلة حقيقية جعلته كالّذي على جمر النار يتقلّب، فبضع أشهر تفصله عن اكتمال عقده الستين، ولا يمكن أن يقبل بلقب المتقاعد، فما العمل؟ ليس لدى عبده مشتهي الوقت الكافي ليجرّب طريقة جده المشتاق فيجلس منتظراً رنة هاتف أو تنويه واتساب، فهو يعلم أنه ليس في ذاكرة أحد ولم يترك أثراً علمياً ولا عملياً ولا إنسانياً يجعله يمر ولو مروراً عابراً على خاطر سواءً كان بمناسبة أو بدونها. إزاء هذه الحقائق والظروف، جرّب عبده الضربة المزدوجة مستوحياً إياها من غرندايزر عليه رحمة الله، فحاول أخذ المسؤولين في مؤسسته بالصوت قبل أن يغلبوه ويسكتوه بماضيه الوظيفي المخجل، ثم هو بين يدي مسؤولين أعلى يذرف الدموع ويحيك المواقف التي تظهره في مظهر الضحية وهو جلاد النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص.
صاح عبده المشتهي في وجه من تجاوزوا عن فساده وغيابه وقبضه لراتب غير مستحق شفقةً أو ربما تلبيةً لوساطة وشفاعة: "أنا عظيم.. أنا خدمت البلد بأن حصلت على منصب لا أستحقه خارجها وداخلها ومثلتها أسوأ تمثيل، فصرت مضرب المثل في الوصولية والتسلق على سلّم الإعاقة لأصل إلى ما لا أستحق.. بعد هذه الخدمات وهذا الكفاح، كيف لا تعطوني لقب رفيع قبل أن أتقاعد؟ فأصير المستشار المتقاعد مثلاً؛ عقبال أولادكو ، والأهم أن يتضاعف راتبي فيزيد تقاعدي! مالكم كيف تحكمون؟”.
لم يجد عبده مشتهي لبضاعته التي فسدت وتعفنت زبون، ولم تحرك دموعه التي كان يذرفها بضغطة زر مشاعر أحد، فغيابه عن المحيط وجهله غيّباه عن الواقع، فظنّ أن زبون الأمس خلّف وما مات، لكن هيهات هيهات.
يئس عبده من إمكانية أن يحصد لقباً رفيعاً وسن التقاعد يتهادى نحوه ووفاضه خالي من علم ومعرفة واختصاص، فكيف يمكن أن يكون مصيره البيت دون أي لقب! اتصل عبده بأحد المسؤولين حينها وتجشأ جرعةً من الوقاحة التي تستحق التدوين في موسوعة غنيس، فبدأ بالتأكيد أن ما سوف يطلبه هو حق لأنه من الأشخاص ذوي الإعاقة، ثم استطرد وخيّر هذا المسؤول بين أمرين: إما أن يتم تعيينه برتبة رفيعة جداً لمدة وجيزة ولو نصف يوم، ثم يغادر فيكون حصد اللقب وزيادة على الراتب التقاعدي، أو أن يتم تعيينه وزير –وهذا حلمه الكبير- ولو ليوم واحد فور شغور أي منصب وزاري. لا يعرف قاموس عبده مفردات الاستحقاق والجدارة والكفاية الوظيفية والكفاءة العلمية، فالإعاقة من وجهة نظره جواز سفر يجعله يعبُر فوق الجميع إلى حيث يريد.
تمالك المسؤول أعصابه وذكّر نفسه أن جائزة الجاهل والوقح الانجرار إلى حيث يريدان أخذك، فسأله بهدوء: "هل لديك أبحاث، دراسات، أوراق عمل أو أوراق علمية، طيب مقالات، طيب تطوير نص مراجعة تشريع، خبرة معتبرة على الماشي.. أي شيء مشان النبي وعشان خاطر الحبايب..”. وقعت هذه المفردات على سمع عبده مشتهي موقع الصاعقة، ليس لأنه لا يملك شيءً من هذا فحسب بل لأن المفردات بحد ذاتها غريبةً عليه، فما كان منه إلا أن سأل باستنكار: "وما ضرورة كل هذا؟ هل كل من في منصب لديه هذه الأمور التافهة؟ أنا لدي إعاقة وهذا يكفي”.
لم يقوَ عبده مشتهي على تحمل ازدياد حكة الاشتياق إلى اللقب، فقبل ممتعضاً منصباً وهمياً لجسم افتراضي، ثم انطلق منه يكيل الاتهامات المرسلة والعبارات التي يوحى بها إليه من chat GBT، منتظراً أن يتواصل معه أحد ويساومه، فيمنحه لقب ليكفّ عن هرطقته، حتى لو كان لقب «الرئيس الفخري لكشك أبو فخري»، لكن قاتل الله الهاتف المشحون دائماً لم تظهر شاشته اسماً لمسؤول أو رقماً مميزاً مجهول صاحبه.
لو أوتي عبده مشتهي من الثقافة ولو قطمير، وتسنى له قراءة ما قاله شاعر العرب البحتري في سينيته الخالدة: (صُنتُ نفسي عمّا يُدَنِّسُ نفسي * وتَرفََّعتُ عن جَدَا كلِ جِبْسِ)، لعرف أن مداراة الجاهلين حكمة والصبر على الوقحين أدب ونعمة. وبالمناسبة، ربما يكون هذا واجب (Homework) لعبده يشغل فراغه لسنوات، أن يحاول فهم معاني مفردات بيت الشعر آنف الذِكْر، ثم مغزاه، ثم لو بقي في عمره متّسع ربما يحاول أن يعرف من هو البحتري.
للأسف رمى عبده مشتهي بآخر كرت في جيبه، فباع نفسه البائرة لمجموعة تماثله في الاشتياق الشبقي للقب أو المنصب ولفت الانتباه، مع اختلاف الأسلوب والغرض، فغدى نغمةً من ألوف النغمات النشاز في أبواق تنعق من بعيد ولا يلبيها إلا كلّ يائس بائس منقلب على نفسه فاقد لهويته.
عبده مشتهي وجده عبده مشتاق، شخصيات تتغذّى على السطحي من النقاش وإثارة الزوابع وذرّ الرماد في العيون، فلا ينبغي بحال منحها تلك البيئة الخصبة، فالوقت أثمن بكثير أن يهدر في التعاطي معها. ومعذرةً لقلمي الذي أنفقت من مداده لأكتب عن هذه النماذج، لكن عزائي أن دافعي ليس مجادلتها بل النهي عنه.