الوصاية الهاشمية على القدس: عهدٌ ثابت ورؤيةٌ مسؤولة في زمن التحولات
بقلم: سماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ الربطة
من أرض الرباط المباركة، أرض الشهداء والتاريخ المتصل بالرسالة، تتجلى معاني الارتباط العقدي والحضاري بين الأمة ومقدساتها، وينهض الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، يحفظه الله، بدوره الراسخ في حماية المسجد الأقصى المبارك، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكافة المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، انفاذا للوصاية الهاشمية التي تمثل التزاماً شرعياً وتاريخياً وقانونياً متصلاً.
إن ما يشهده القدس الشريف، وفي القلب منه المسجد الأقصى المبارك، من انتهاكات متصاعدة ومحاولات المحتل فرض واقع جديد، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم، وطمس معالم الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، فإن الموقف الأردني الذي يقوده جلالة الملك، يأتي تعبيراً عن رؤية ثابتة تدرك طبيعة هذه التحديات، وتتعامل معها بمسؤولية الدولة التي تجمع بين الثبات على المبادئ، والحكمة في إدارة المواقف.
الوصاية الهاشمية، التي تستند إلى إرث تاريخي متصل وشرعية دينية وقانونية معترف بها، تمثل اليوم ركناً أساسياً في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وهي ليست موضع تفاوض أو مساومة، بل عهد ثابت لا ينكسر، ومسؤولية مستمرة تقتضي الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وسائر المقدسات وصون حرمتها، والحفاظ على هوية القدس والمسجد الأقصى في وجه محاولات التهويد والتغيير.
وفي هذا الإطار، يواصل جلالة الملك تحركاته السياسية والدبلوماسية على مختلف المستويات، واضعاً المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، للتأكيد على ضرورة وقف الانتهاكات، واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس. فحماية المقدسات التزام يفرضه القانون الدولي والمواثيق، ويستلزم موقفاً واضحاً من المجتمع الدولي تجاه ما يجري من تجاوزات خطيرة.
وتعكس الحشود الشعبية التي خرجت دعماً لمواقف جلالة الملك ورفضاً للانتهاكات، إرادة وطنية واعية، وتجسد وحدة الصف الأردني والتفافه حول القيادة الهاشمية، تأييداً لمواقفها الثابتة، وتعزيزاً لدور جيشنا العربي المصطفوي وأجهزتنا الأمنية، درع الوطن وحصنه المنيع في حفظ أمنه واستقراره.
وعلى الصعيد المؤسسي، تضطلع دائرة قاضي القضاة بدور محوري في هذا السياق، من خلال إشرافها المباشر على المحاكم الشرعية في القدس الشريف، التي تقوم بواجبها في حفظ الحقوق، وتعزيز صمود المواطنين، وترسيخ الحضور الإسلامي في المدينة المقدسة، بما يسهم في حفظ وتثبيت الهوية العربية والإسلامية للقدس، ويعزز من استمرارية هذا الدور التاريخي. كما تقوم وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بجهود متكاملة في إدارة شؤون المسجد الأقصى المبارك ورعاية مرافقه، بما يعكس الحضور الأردني المؤسسي الراسخ في حماية المقدسات.
أما ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من إجراءات تمس حقوقهم الأساسية وتهدد سلامتهم وكرامتهم الإنسانية، فلا يمكن اعتباره شأناً عابراً أو تدبيراً إجرائياً، بل يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويعكس تصعيداً خطيراً. فالمساس بحياة الأسرى أو الانتقاص من حقوقهم لا يطال الأفراد وحدهم، بل يترك أثراً عميقاً على الوعي الجمعي، ويغذي مشاعر الظلم والاحتقان، بما يفاقم من حدة التوتر ويقوض أسس العدالة، الأمر الذي يستدعي موقفاً دولياً واضحاً يضمن الالتزام بالمواثيق والقيم الإنسانية التي تكفل حقوقهم وتحفظ حياتهم وتصون كرامتهم.
وإدراكاً لطبيعة المرحلة وتحدياتها، فإن المطلوب اليوم ان يقوم كل منا بواجبه في دعم الجهد الذي يقوده جلالة الملك على مختلف المستويات، من خلال توحيد الجهود، والالتفاف حول الراية الهاشمية، وتقديم كل الدعم لحماية المقدسات، والحفاظ على صمود أهلنا في القدس الشريف، والتعامل مع التطورات برؤية ثاقبة تراعي تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، والمصالح العليا للملكة الاردنية الهاشمية.
ختاماً، ونحن نستحضر جسامة هذه المسؤولية، وأهمية هذا الموقف نؤكد أن نصرة القدس واجب شرعي وقانون وإنساني لا يسقط، وصون مقدساتها أمانة في أعناقنا، وأن الوقوف خلف القيادة الهاشمية أمر حتمي لازم لصون القدس، يستمد قوته من وحدة الصف، والإيمان بعدالة القضية. فالرسالة في ذلك واضحة لا لبس فيها: الأردن، قيادةً وشعباً، يقف صفاً واحداً في مواجهة سياسات الاحتلال، ويرفض أي مساس بحقوق الشعب الفلسطيني أو محاولات الانتقاص من عدالة قضيته.
ونشهد الله والتاريخ أن هذا الموقف عهد ثابت لا يتبدل، وأن الدفاع عن المسجد الأقصى التزام إيماني راسخ تمليه العقيدة وتؤكده الشريعة، وتجسده مواقف أردنية أصيلة، ماضية بثقة وعزم وثبات في حماية المقدسات وصون كرامة الأمة.